بلادنا اعتمدت مقاربة الندية مع باريس وعدم الرّضوخ للمساومات والاستفزازات
يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور عز الدين نميري، أنّ زيارة وزير العدل الفرنسي، جيرالد دارمانان، إلى الجزائر اكتست طابعا قضائيا في ظاهرها، لكنها تحمل في جوهرها أبعادا سياسية، وذلك في سياق محاولات فرنسية لإذابة الجليد وإعادة العلاقات الجزائرية الفرنسية، التي تشهد توترا منذ فترة، إلى مسارها الطبيعي، بسبب توجّهات وخيارات اليمين الفرنسي المتطرف.
يرى نميري أنّ مقاربة الندية التي تنتهجها الجزائر في تعاملها مع فرنسا، وعدم رضوخها للمساومات والاستفزازات المتكرّرة والسياسات المتطرفة التي تنتهجها بعض الأطراف في فرنسا، إلى جانب مواقفها الثابتة تجاه القضايا الإقليمية والدولية، أيقظت بعض الضمائر لدى شخصيات فرنسية بارزة، طالبت بضرورة الإسراع في إصلاح العلاقات المتصدّعة بين البلدين، والعمل على إيجاد حلول عملية للحدّ من التصعيد الذي لا يخدم مصالح الدولتين، لا سياسيا ولا اقتصاديا ولا أمنيا.
وجاءت زيارة وزير العدل الفرنسي في سياق سلسلة الزيارات التي يقوم بها مسؤولون ووزراء فرنسيون إلى الجزائر، وأبرز نميري، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ جيرالد دارمانان، جاء حاملا في حقيبته العديد من الملفات المرتبطة ببعض الأطراف التي تعمل على بث الفتنة والتفرقة، انطلاقا من الأراضي الفرنسية، متطلّعا إلى حمل مقترحات تعيد المياه إلى مجاريها في علاقة تعاني من التأزم والتصدّع.
وقال نميري إنّ الوزير الفرنسي جاء باحثا عن إمكانية عودة التقارب بين البلدين إلى شكله الطبيعي، الذي كان قائما في السابق، غير أنّ الطرف الجزائري يشدّد على أن طبيعة العلاقات الثنائية تتطلّب فرض الاحترام المتبادل والعمل المشترك على إيجاد مناخ يساعد على تفعيل العلاقات الدبلوماسية القائمة على الاحترام الكامل للسيادة الوطنية وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية للجزائر.
وبحسب المتحدث، فإنّ الزيارة جمعت بين البعدين القضائي والسياسي، موضّحا أنّ فرنسا تسعى إلى استعادة موقعها في علاقتها مع الجزائر، خاصة بعد تراجع نفوذها في إفريقيا، في وقت أصبحت الجزائر قبلة للعديد من صنّاع القرار الأوروبيين، الذين أبرمت معهم اتفاقيات ثنائية عديدة، خاصة في المجال الاقتصادي.
وأشار محدثنا إلى أنّ فرنسا تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى الغاز الجزائري، وهي ليست وحدها في ذلك، إذ تتجه أنظار أوروبا بأكملها نحو الجزائر بسبب التراجع في الإنتاج والاضطرابات المرتبطة بسلاسل الإمداد الناتجة عن الصراعات الدولية وأزمة الشرق الأوسط التي زادت الوضع تعقيدا.
وأضاف الأستاذ أنّ هذه المعطيات دفعت فرنسا إلى إعادة حساباتها السياسية تجاه الجزائر وإعادة ضبط توجّهاتها التي خرجت عن سياقها الطبيعي، من خلال إقامة علاقات قائمة على الاحترام المتبادل، بعيدا عن أي محاولات للمساس بسيادة الجزائر التي لا تقبل المساومة بشأنها إطلاقا، مشيرا إلى أنّ الجزائر تعتمد في علاقاتها الاقتصادية مع فرنسا كغيرها من الدول على مبدأ «رابح ـ رابح»، دون أي أفضلية أو امتيازات كما كان الحال في مراحل سابقة.

