الامتثال لقواعد حماية البيانات رهـــان دستـــوري وحقوقــي.. رهان مرفوع
مواجهة تحديات الجريمـة العابرة للحـدود وتعزيــز الثقــة في المــؤسســـــات
بن ساعـــد: حمايــة الحيـاة الخاصة حـق مرتبط بكرامة الإنســــان
طويجيني: القانون يوازن بــــــين حمايـــــة الخصوصيـــة ومتطلبـــات الأمـــن
بوعــــلام: الالتـــــزام الصارم بحماية البيانات العاديـــة والحساســة
لصلج: تتبع البيانــات شرط أساسي لشفافية التحقيقات القضائيـــة
بودوخة: الأمن الوطنــي يكرّس ثقافــة جديـدة تحمــي الخصـوصيـــة
فاتــــوف: التعـــاون الدولي شرط أساســي لبناء فضاء رقمي آمــــــن
أكد رئيس السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي سمير بورحيل، أمس الأول، أن حماية المعطيات الشخصية أصبحت اليوم من صميم بناء دولة القانون وضمان الحقوق والحريات الأساسية في العصر الرقمي، مشددا على ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن العام وحماية الحياة الخاصة، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي تعرفها مختلف مؤسسات الدولة.
أشرف على انطلاق أشغال هذا اليوم الدراسي، الموسوم بـ«السلطة المختصة بين ضوابط الانتقال لقواعد حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي ورهانات التطبيق على ضوء القانون 18-07 المعدل والمتمم بالقانون 25-11”، المنظم بالنادي الوطني للجيش ببني مسوس بالعاصمة، بحضور رئيس مجلس الأمة عزوز ناصري، ورئيس المجلس الشعبي الوطني، ابراهيم بوغالي، ورئيسة المحكمة الدستورية ليلى عسلاوي، ووزير العدل حافظ الأختام لطفي بوجمعة، إلى جانب المستشارة القانونية لدى مصلحة الوقاية من الإرهاب التابع لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فاتوف سوزان إيفات، وكذا ممثلين عن وزارة الدفاع الوطني وهيئات ومؤسسات وطنية وخبراء في عدة مجالات ذات صلة بهذا المجال.
وأوضح بورحيل، أن اليوم الدراسي يعكس الأهمية الاستراتيجية التي تكتسيها حماية المعطيات الشخصية باعتبارها مسؤولية مشتركة تتداخل فيها الجوانب التشريعية، والدستورية، والقضائية، والأمنية، وأشار إلى أن الامتثال لقواعد حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي لم يعد مجرد التزام قانوني، بل أصبح رهانا دستوريا وأمنيا وحقوقيا يستدعي التنسيق بين مختلف الهيئات لضمان فعالية العدالة الجنائية وحماية الحقوق الأساسية للأفراد في آن واحد.
وفي هذا السياق، أبرز بورحيل أن موضوع اليوم الدراسي يندرج ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى تعميق الفهم الجماعي للمستجدات القانونية التي جاء بها القانون 25-11، وتوضيح المفاهيم المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية، إلى جانب تبادل الرؤى حول السبل الكفيلة بالتطبيق السليم لهذه الأحكام على أرض الواقع.
وأضاف أن صدور القانون 25-11 جاء استجابة للتحولات العميقة التي يشهدها العالم، خاصة في مجال مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود والتطور المتسارع لوسائل الاتصال والتكنولوجيا، وما رافق ذلك من توسع كبير في تبادل المعلومات والمعطيات بين الدول والهيئات، الأمر الذي جعل من المعطيات الشخصية عنصرا استراتيجيا في دعم الجهود القضائية والأمنية.
وأكد رئيس السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي أن هذا المسار الإصلاحي حظي بعناية خاصة من رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الذي حرص على تحيين المنظومة القانونية الوطنية بما يتماشى مع الالتزامات الدولية للجزائر، ويواكب تحديات التحول الرقمي ومكافحة الأشكال الحديثة للإجرام.
كما شدد المتحدث على الدور الذي تضطلع به السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي باعتبارها شريكا استراتيجيا ومرافقا تقنيا وقانونيا لمختلف المؤسسات، لاسيما القضاء والضبطية القضائية والجمارك، من خلال تقديم الدعم والمشورة وضمان انسجام الإجراءات العملية مع المعايير الوطنية والدولية المتعلقة بحماية الخصوصية واحترام الحقوق الأساسية.
وفي هذا الإطار، أشار بورحيل إلى أن السلطة الوطنية تضع خبراتها تحت تصرف مختلف الهيئات من أجل تعزيز المرافقة المؤسساتية وبناء جسور الثقة وتطوير الحوار المستمر لفهم التحديات الميدانية وتكييف الضوابط القانونية مع الواقع العملي والمهني.
وثمن بورحيل الجهود التي تبذلها مختلف مكونات السلطة المختصة في مجال الوقاية من الجرائم والكشف عنها والتحقيق والمتابعة الجزائية وتنفيذ العقوبات، من أجل الامتثال لأحكام القانون 25-11، رغم ما يطرحه من تحديات تقنية وعملية مرتبطة بطبيعة المهام الحساسة في مجال مكافحة الجريمة، وأوضح أن الجهات المعنية باشرت فعليا مسارات للملاءمة القانونية والتنظيمية، من خلال إدماج مبادئ حماية المعطيات الشخصية ضمن إجراءاتها اليومية، وتطوير أدوات التوثيق والمتابعة، إلى جانب تعزيز الوعي المهني لدى الإطارات والعاملين في هذا المجال.
ودعا بورحيل إلى تكثيف التعاون بين السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي ومختلف مكونات السلطة المختصة، خاصة السلطة القضائية والمصالح الأمنية والجمارك، وقال “إننا بحاجة إلى شراكة حقيقية تقوم على تبادل المعلومات، وتنسيق الجهود، وتوحيد الممارسات، وتطوير آليات العمل المشترك بما يسمح برفع التحديات وتحقيق الأهداف المنشودة، لاسيما بناء ثقافة مؤسساتية تجعل من حماية المعطيات الشخصية قيمة مضافة لعمل كل من ينتسب إلى السلطة المختصة”.
وأكد أن الرهان اليوم لا يقتصر على حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي فحسب، بل يشمل أيضا بناء منظومة متكاملة تعزز الثقة في المؤسسات وتدعم الأمن القانوني وتواكب التحولات الرقمية في إطار احترام الحقوق والحريات، معربا عن أمله في أن تفضي أشغال اليوم الدراسي إلى رؤى عملية تسهم في تعزيز المنظومة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية وبناء فضاء رقمي آمن ومزدهر.
جدير بالذكر، أنه تم على هامش أشغال اليوم الدراسي تكريم رئيس مجلس الأمة عزوز ناصري، ورئيس المجلس الشعبي الوطني إبراهيم بوغالي، ورئيسة المحكمة الدستورية ليلى عسلاوي، ووزير العدل حافظ الأختام لطفي بوجمعة وذلك تقديرا لجهودهم ومساهماتهم الفعالة في تعزيز الإطار التشريعي والمؤسساتي لحماية المعطيات الشخصية في الجزائر.
نقاش مثمر..
وضمن فعاليات اليوم الدراسي، أكد خبراء في القانون والأمن السيبراني، أن حماية البيانات الشخصية من أبرز الرهانات المرتبطة بالتحول الرقمي والأمن السيبراني، في ظل التوسع المتسارع لاستعمال الخدمات الإلكترونية وتزايد التهديدات الرقمية والجرائم العابرة للحدود، أكد رئيس مصلحة البصمات الوراثية بوزارة العدل، عاشور بن ساعد أن المعطيات الشخصية أصبحت موردا استراتيجيا يؤثر بشكل مباشر على سيادة الدول وأمنها القومي، موضحا أن التحكم في البيانات تحول إلى عنصر أساسي في حماية السيادة الرقمية للدولة وليس مجرد مسألة تقنية أو قانونية، وسجل أن الجزائر تسعى إلى تكريس هذه السيادة من خلال تعزيز حماية المعطيات الشخصية بما يتماشى مع الدستور والقوانين الوطنية والمعايير الدولية، مبرزا أن الحق في حماية الحياة الخاصة يعد من الحقوق الأساسية المرتبطة بكرامة الإنسان وحرياته.
ومن جانبه، توقف محمد كمال الدين طويجيني قاض بوزارة العدل المديرية العامة للشؤون القضائية عند “الاستثناءات الواردة على مجال تطبيق قانون حماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات الشخصية”، موضحا أن القانون يسعى إلى تحقيق توازن بين حماية الخصوصية ومتطلبات الأمن والمصلحة العامة.
وأكد أن القانون يتضمن حالات محددة يمكن فيها معالجة بعض المعطيات دون الالتزام الكامل بمبدأ الموافقة أو الشفافية، خاصة في القضايا المرتبطة بالأمن الوطني والدفاع والنظام العام، مشددا على أن هذه الاستثناءات “ليست بابا للتجاوز”، وإنما وضعت ضمن ضوابط دقيقة لتفادي أي سوء استعمال للبيانات.
بدوره، أكد عضو سلطة حماية المعطيات، حسان بوعلام، أن احترام قواعد حماية المعطيات أصبح مسؤولية قانونية ورقمية تفرضها التحولات التكنولوجية الحديثة واعتماد الخدمات الرقمية في مختلف القطاعات، وأوضح أن المعطيات الشخصية تشمل كل معلومة تسمح بالتعرف على الشخص بشكل مباشر أو غير مباشر، مثل الاسم واللقب ورقم الهاتف والبريد الإلكتروني والصور ورقم التعريف الوطني، إضافة إلى المعطيات الحساسة المتعلقة بالصحة أو الآراء السياسية أو الانتماء النقابي.
من جهته، تناول عضو السلطة، وليد لصلج، حماية المعطيات في مجالات التحقيقات الأمنية والقضائية، وأكد أن الجزائر تعمل على تعزيز الإطار القانوني المنظم لمعالجة البيانات الشخصية بما يضمن حماية حقوق الأفراد وفي الوقت نفسه يراعي ضرورات الأمن والتحقيقات القضائية، وتطرق إلى أن النصوص الجديدة التي ركزت على تنظيم عمليات المعالجة التي تقوم بها السلطات المختصة في إطار الوقاية من الجرائم والتحقيقات الأمنية والقضائية، مع التأكيد على احترام الحقوق الأساسية للأشخاص المعنيين بالمعالجة، كما تم إدراج أحكام خاصة بالسجلات ودفاتر المعالجة لضمان الشفافية وإمكانية تتبع مختلف العمليات المتعلقة بالبيانات الشخصية.
وفي السياق ذاته، أكد عصام بودوخة أن المديرية العامة للأمن الوطني تعمل على تكريس ثقافة جديدة تقوم على حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي وضمان احترام الخصوصية في مختلف الأنظمة والخدمات الرقمية، من خلال اعتماد آليات تنظيمية ورقابية حديثة تتماشى مع المعايير القانونية الوطنية، وأوضح أن المقاربة الجديدة ترتكز على الرقابة المباشرة وتعزيز ثقافة الخصوصية داخل المؤسسة الأمنية، إلى جانب إنشاء نقطة اتصال دائمة مع السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، بما يسمح بضمان التوافق بين العمل الأمني ومتطلبات حماية الحقوق الرقمية للمواطنين.
من جهتها، أكدت المستشارة القانونية في قسم الوقاية من الإرهاب التابع لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، سوزان فاتوف أن “دراسة أثر معالجة المعطيات الشخصية” أصبحت من أهم الآليات القانونية لضمان التوازن بين متطلبات مكافحة الإرهاب وحماية الحقوق والحريات الفردية، وأوضحت أن التهديدات الإرهابية المتزايدة، خاصة بمنطقة الساحل، فرضت على الدول تطوير آليات قانونية وتقنية تسمح بمعالجة المعطيات الشخصية في إطار يحترم القانون ويحمي خصوصية الأفراد.

