كهرباء الجزائر.. الشريـان الحيــوي الجديد لتنميــة القــارة السمـــراء
مشاريـــع هيكليــــة ونقل الخبرات لبناء سيادة اقتصادية إفريقية
سجلت الخريطة الطاقوية الإفريقية تحولا استراتيجيا عميقا، تتصدره الجزائر كشريك محوري لا يستغنى عنه، متجاوزة بذلك الدور التقليدي كمزود حصري للأسواق الأوروبية لتتجه بوصلة تعاونها نحو العمق الإفريقي، مدعومة بخبرة ثرية عبر مسار حافل بالإنجازات في مجال الطاقة والبنية التحتية الصناعية.
ترجم هذا التوجه الديبلوماسي والاقتصادي الجديد على أرض الواقع من خلال سلسلة من التحركات المكثفة والزيارات رفيعة المستوى التي استقبلتها الجزائر مؤخرا من دول إفريقية، في مقدمتها موزمبيق، كوت ديفوار، والنيجر، مما يعكس إجماعا قاريا على الرهان على الكفاءة الجزائرية والنموذج التنموي الذي تنتهجه في قطاع المحروقات والكهرباء.
ففي إطار تعزيز البعد الإفريقي للسياسة الخارجية الجزائرية، وتجسيدا لتوجيهات رئيس الجمهورية، استقبل وزير الطاقة والطاقات المتجددة، مراد عجال، وفدا وزاريا وخبراء من موزمبيق، حيث لم يقتصر الحوار على مجرد تبادل الآراء، بل انتقل إلى مستوى الشراكة الإنتاجية الملموسة، من خلال دراسة إنجاز محطة لتوليد الكهرباء بقدرة 1000 ميغاواط.
إن هذا المشروع الاستراتيجي لا يهدف إلى تغطية الطلب الطاقوي في موزمبيق فقط، لأنه يصب في إستراتيجية أوسع لتمكينها من تصدير الكهرباء إلى ست دول إفريقية مجاورة، ما يجعل من الجزائر حجر الزاوية في تحقيق التكامل الكهربائي الإقليمي والأمن الطاقوي للقارة. وقد أتيحت للوفد الموزمبيقي فرصة الاطلاع الميداني على القدرات التصنيعية الوطنية، من خلال زيارة مصنع “جي آي إس بي إليكتريك” بولاية مستغانم ومحطة توليد الكهرباء برأس جنات، مما عزز قناعتهم بقدرة الجزائر على توفير حلول “مفتاح في اليد” تشمل التصنيع، الإنجاز، والصيانة، وهو ما دفع الطرفين لوضع خارطة طريق لتجسيد التعاون الصناعي في المنطقة الاقتصادية لمابوتو.
مركز إشعاع للمعرفة الطاقوية
وعلى نفس الوتيرة من الديناميكية، تفاعلت الجزائر مع طلبات التعاون من غرب القارة، حيث أكد الوزير عجال، خلال اجتماعه بنظيره الإيفواري مامادو سانكافوا كوليبالي، جاهزية الجزائر لمرافقة كوت ديفوار عبر كامل سلسلة القيمة في قطاع الطاقة، بدءا من البحث والإنتاج وصولا إلى النقل والتوزيع وتجهيزات التوتر العالي. وتعد مسألة نقل الخبرة وتكوين الإطارات الإفريقية عبر المدارس المتخصصة التابعة لمجمع “سونلغاز” ركيزة أساسية في هذا التعاون، ما يعكس إدراكا جزائريا عميقا بأن التنمية المستدامة في إفريقيا تقتضي بناء القدرات البشرية المحلية. وقد أشاد الجانب الإيفواري بمستوى الاحترافية الجزائرية، معتبرا الجزائر شريكا موثوقا يفي بالتزاماته، وهو ما يمهد لتوقيع اتفاقية إطار ستحدد أولويات التعاون المستقبلي بشكل دقيق.
وبالموازاة مع ذلك، وسعت المؤسسة الوطنية لنفطال من دائرة تأثيرها الاستراتيجي نحو دول الساحل، ممثلة في التعاون مع الشركة النيجيرية للبترول. فقد ناقش الطرفان سبل تعزيز الأمن الطاقوي للنيجر عبر إنشاء مراكز لتعبئة غاز البوتان محليا، وضمان تموين منتظم بمادة البنزين بدون رصاص ووقود الطائرات، مما يدعم استقرار السوق النيجيرية وقطاع النقل بها. ويتجاوز هذا التعاون الجانب التجاري ليشمل نقل التكنولوجيا وبرامج التكوين في مجالات التخزين والتسويق، مما يعكس إرادة جزائرية في بناء شراكات هيكلية طويلة الأمد بدلا من العلاقات التجارية الظرفية.
إن هذا الزخم الدبلوماسي والاقتصادي يؤكد أن الجزائر لم تعد مجرد مورد للطاقة، بعد أن أصبحت “مركز إشعاع” للمعرفة الطاقوية والهندسية في إفريقيا. فمن خلال مجمع سونلغاز الدولي وشركاتها الفرعية، تقدم الجزائر نموذجا للتعاون “جنوب-جنوب” القائم على التكافؤ وتبادل المنفعة، حيث تسخر خبرتها في تقنيات التكرير، والهندسة الصناعية لخدمة التنمية الإفريقية. وترسخ الجزائر بذلك مكانتها كفاعل رئيسي في معادلة الأمن الطاقوي القاري، مساهمة في تحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول الإفريقية، ومفتتحة آفاقا واعدة لشراكة صناعية وطاقوية تعيد رسم ملامح المستقبل الاقتصادي للقارة السمراء.
هندسة نموذج تعاوني مستدام
إن التحولات الراهنة في المشهد الطاقوي الإفريقي تعكس تقاربا دبلوماسيا وتعاونا حقيقيا، وفي نفس الوقت تؤسس لمرحلة إستراتيجية تتصدر فيها الجزائر مشهد التكامل القاري، متجاوزة نموذج التزويد الأحادي نحو أوروبا لترسخ نفسها كشريك قادر على قيادة مسيرة التنوع الطاقوي في القارة، وفي صدارتها الكهرباء. فمن خلال تراكم الخبرات التقنية، وشبكة التصنيع المحلية المتطورة، والبنية التحتية المتكاملة لإنتاج ونقل وتوزيع الطاقة، تملك الجزائر كل المقومات التي تؤهلها ليس فقط لسد العجز الطاقوي في العديد من الدول الإفريقية، وإنما لهندسة نموذج تعاوني مستدام يقوم على نقل المعرفة، وتوطين الصناعات الكهربائية، وتأهيل المورد البشري عبر برامج تكوينية متخصصة.
إن قدرة الجزائر على الأخذ بيد القارة في هذا المجال الحيوي تنبع من وفرة الموارد، وكذلك من إدراك عميق بأن الأمن الطاقوي الإفريقي لن يتحقق إلا عبر شبكات كهربائية عابرة للحدود، ومشاريع إنتاجية مشتركة، وسلاسل قيمة مدمجة تقودها كفاءة جزائرية راسخة في هندسة المحطات، وتصنيع معدات التوتر العالي، وإدارة المنظومات الكهربائية الكبرى. ومع التوجه المتسارع نحو دمج الطاقات المتجددة، وتطوير الربط الكهربائي الإقليمي، وتوطين حلول التخزين والنقل الذكي، تضع الجزائر نفسها في موقع الريادة القادر على تحويل إفريقيا إلى سوق متكاملة، تسهم في دفع عجلة التصنيع، وتعزيز السيادة الاقتصادية، وترسيخ شراكة جنوب-جنوب تقوم على التكافؤ والاستدامة. ويراهن على قدرة الجزائر في تحويل آليات تسريع هذا الاندماج الطاقوي ليصبح ركيزة أساسية في معادلة النهضة والتنمية القارية خلال العقد المقبل.



