يرى البروفسور إبراهيم قندوزي أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة تيزي وزو، أنه في خضم التطور الجذري للصناعة النسيجية عبر تحديث الآلة الإنتاجية ودمج الابتكار التكنولوجي، والتصميم المعاصر، ومبادئ الاقتصاد الدائري، تتطلّع الجزائر لبناء قاعدة نسيجية عصرية وذات نجاعة عالية، في ظل امتلاكها لإمكانات هائلة تؤهّلها للمنافسة الإقليمية والدولية، مشترطا أنّ تحويل هذه الإمكانات إلى واقع تنافسي يتطلّب مقاربة تحليلية دقيقة تربط بين الإرادة القوية، والشراكات الاستراتيجية، والاستغلال الأمثل للموارد المحلية، وهذا ما توفّره الجزائر المنتصرة.
أكّد البروفيسور إبراهيم قندوزي، أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة تيزي وزو، أنّ القطاع النسيجي في الجزائر مع الكميات الكبيرة من الصوف المجمّعة بمناسبة عيد الأضحى المبارك، يقف أمام فرص كبيرة ومهمة للدعم والتطوير، خاصة مع وجود نسيج متنوّع ينتج موادا تدخل في صناعة الملابس والمنتجات الصناعية على حدّ سواء، ممّا يؤسّس لقاعدة صلبة يمكن البناء عليها نحو آفاق أوسع. وقال أنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في توفر الموارد وحدها، وإنما كذلك في كيفية تحويلها إلى قيمة مضافة داخل المنظومة الاقتصادية. وأشار البروفيسور قندوزي أنّ الجزائر لا تكتفي باستغلال المواد الأولية محليا بل تعكف على تصديرها مثل الجلد والصوف إلى دول متقدمة صناعيا كإيطاليا، التي تعيد استغلالها ضمن صناعاتها النسيجية المتطورة. ودعا الخبير الاقتصادي عشية عيد الأضحى، إلى ضرورة استغلال الموارد الموسمية ذات الطبيعة الدائرية، وفي مقدمتها جلود الأضاحي، التي يمكن أن تتحول إلى ركيزة صناعية استراتيجية إذا ما أُدمجت ضمن منظومة جمع منظمة، ومعالجة صناعية خضراء، وسلسلة قيمة متكاملة تربط بين الدباغة العصرية، والتصميم المحلي، والتصنيع النهائي. وهذا التحوّل لا يقتصر على الجانب البيئي وحده بحسب تقدير الخبير قندوزي، باعتباره يمثل بوابة اقتصادية لتعزيز السيادة الصناعية وتقليل الاعتماد على الواردات، مع خلق حلقات إنتاج محلية تحافظ على الثروة الوطنية.
آفاق التنويع الإنتاجي
في معرض الإجابة عن سؤال جوهري يتعلّق بكيفية بلوغ الابتكار في هذا القطاع، طرح الخبير قندوزي رؤية عملية تقوم على التكامل بين الشراكات الخارجية، وجذب الكفاءات، وتوطين البحث والتطوير. وكما أوضح أنّ الحلول الاستراتيجية تكمن أساسا في عقد شراكات كبرى مع مستثمرين وخبراء من دول ذات تجربة عريقة في المجال، مثل الصين وإيطاليا، وتركيا، وباكستان، وسوريا، وغيرها، بما يتيح نقل التكنولوجيا والاستفادة من الخبرات المتراكمة، واستيعاب أحدث تقنيات التصميم والتصنيع، وفتح آفاق التنويع الإنتاجي. لأنّ الابتكار في الصناعة التحويلية لم يعد رفاهية، بل أصبح شرطا للتواجد في سوق عالمية تتّسم بالتغيّر السريع والمنافسة الحادة على الجودة والسرعة والتكلفة. وأكّد الخبير قندوزي أنه من خلال هذه الشراكات، يمكن للمؤسّسات الجزائرية اكتساب قدرات ابتكارية تمكّنها من تطوير تصورات جديدة، والاستجابة لمتطلّبات الأسواق الحديثة، ودمج المواد المستدامة في خطوط الإنتاج، مع ضمان توطين المعرفة عبر مراكز بحث وتطوير مشتركة تربط بين الأكاديمية والمصنع.ولم يغفل تحليل البروفسور عن الدينامكية الجديدة التي يشهدها القطاع على المستوى الوطني، حيث بدأت تظهر مؤسّسات صغيرة ومتوسطة، غالبا ما يقودها شباب ويضم كل منها ما بين عشرة إلى ثلاثين عاملا، قادرة على إنتاج منتجات نسيجية عالية الجودة تمتد من غزل الخيوط إلى الخياطة النهائية، وهو ما لوحظ جليا في المعارض المتخصّصة التي أقيمت خلال العامين الأخيرين بقصر المعارض. وربط البروفيسور قندوزي هذا التقدّم بالتحول الرقمي المتسارع، مؤكّدا أنّ التصميم أصبح عنصرا محوريا في الصناعة النسيجية المعاصرة، وأنّ جيل الشباب أصبح أكثر انخراطا في استخدام الأدوات الرقمية والبرمجيات الحديثة لتطوير نماذج عصرية تلبي ذوق المستهلك المحلي وتواكب الميول العالمية. ومن ثمّ فإن الابتكار في مجال التصميم واعتماد مواد جديدة، أصبح ضرورة حتمية لضمان استمرارية القطاع وارتباطه المباشر بديناميكية السوق، خاصة مع تزايد طلب الشباب على منتجات تجمع بين الأصالة والجودة العصرية.
مشروع تنموي متكامل
يرى الخبير قندوزي في عرضه أنّ الجمع بين هذه العناصر الابتكارية، والاستغلال العقلاني للموارد المحلية مثل جلود الأضاحي، يمتد تأثيره أبعد من البعد الاقتصادي ليشمل البعد الاجتماعي والتنموي بشكل عميق. لأنّ القطاع النسيجي، بحكم طبيعته من خلال استيعابه لعدد كبير من اليد العاملة، يؤدّي دورا أساسيا في توفير مناصب الشغل، خاصة للشباب والنساء، بل ويمتد أثره إلى المناطق الريفية وشبه الحضرية من خلال المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة التي تلبي طلب الأسواق من المنتجات العصرية والتقليدية. وقال أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة تيزي وزو، أنّ الخبرة المتوارثة لدى عائلات ومؤسّسات جزائرية عريقة في هذا المجال، تؤكّد أنّ القطاع يمتلك قاعدة صناعية هامة قادرة على التطور نحو مجالات متعدّدة، كملابس النساء والأطفال، وملابس العمل المتخصّصة، والمنتجات الجلدية المبتكرة، شريطة أن يدعم بنماذج تشغيل حديثة، وبنية تحتية رقمية، وسياسات تحفيزية تيسّر التمويل وتسرّع إجراءات الترخيص والتصدير.واعتبر قندوزي أنّ مسار الجزائر نحو الابتكار في الصناعة النسيجية، يعد مشروعا تنمويا متكاملا يربط بين الخبرة المحلية، والشراكة الدولية، والاقتصاد الدائري، والرؤية الرقمية. وبتكامل الجهود، يمكن تحويل التحديات الهيكلية إلى محرّكات نمو مستدام، وجعل استغلال الموارد الموسمية مثل جلود الأضاحي نموذجا عمليا يحافظ على البيئة ويعزّز الثروة الوطنية.




