تأتي هذه الدراسة الموسومة بـ «الشعر خلف القضبان وتجلياته الفنية… عبد الناصر صالح أنموذجًا»، للكشف عن المضامين الدلالية والجماليات الفنية في شعر الأسر لدى هذا الشاعر، الذي حول السجن إلى فضاء إبداعي تتدفق منه الرؤى الوطنية والإنسانية.
من خلال تحليل الأبعاد الدلالية والتجليات الفنية في شعر عبد الناصر صالح، تتجلى مفاهيم مثل المقاومة، والأمل، والتضحية، والهوية، كما تناقش الخصائص الفنية التي تميز شعره، من خلال تحليل الصور الشعرية، والرموز، والتشكيلات الإيقاعية، واللغة الموحية التي تجعل من نصوصه أنموذجًا متميزًا لأدب السجون الفلسطيني. كما تسلط الضوء على دور الشعر في الحفاظ على الذاكرة الجمعية، وصياغة الوعي النضالي لدى الأجيال…
وتسعى الباحثة في دراستها إلى مقاربة تجربة الشاعر الفلسطيني عبد الناصر صالح بوصفها أنموذجًا دالًا من نماذج شعر الأسر الفلسطيني، وتنطلق من فرضية أن تجربة الاعتقال لدى عبد الناصر صالح لم تكن حادثة عابرة في سيرته، بل شكلت عنصرًا بنائيًا في رؤيته الشعرية، وأسهمت في صياغة لغته، وصوره، ورموزه، وإيقاعه الداخلي. ومن هنا تعتمد هذه القراءة منهجًا تحليليًا يربط بين السياق التاريخي للتجربة السجنية، وبين تجلياتها الفنية داخل النص الشعري.
لقد عرف الأدب العربي، منذ مراحله الأولى، حضورًا واضحًا لتجربة السجن، من أسر عبد يغوث، إلى روميات أبي فراس الحمداني، إلى شعر المتنبي والمعتمد بن عباد، وصولًا إلى أدب السجون الحديث. غير أن الحالة الفلسطينية تمنح هذا الأدب خصوصية مضاعفة، لأن السجن فيها لا ينفصل عن سياق الاحتلال، ولا عن تجربة شعب حوصر في أرضه وذاكرته وحقه في الحرية! لذلك يصبح شعر السجن الفلسطيني كتابة ضد المحو، وضد العزلة، وضد تحويل الإنسان إلى رقم أو جسد محاصر.
في هذا السياق تأتي تجربة عبد الناصر صالح، الذي عرف الاعتقال مبكرًا منذ مشاركته في أحداث يوم الأرض سنة 1976، ثم اعتقاله عام 1977، ولاحقًا في معتقل النقب مع انطلاقة الانتفاضة الأولى. وقد أثمرت هذه التجارب نصوصًا شعرية مهمة، منها ديوانه «الفارس الذي قتل أثناء المبارزة»، وديوانه «المجد ينحني لكم»، اللذان يشكلان شاهدًا فنيًا ونضاليًا على قدرة الشعر على تحويل القيد إلى خطاب حر.
ويمكن اختزال أبرز المضامين الدلالية في شعر الأسر عند عبد الناصر صالح في ثلاثة محاور رئيسة.
أولًا: الأمل واليقين بالنصر.
لا يظهر السجن عند الشاعر بوصفه نهاية أو انكسارًا، بل بوصفه مدرسة للنضال واختبارًا للإرادة، يقول في «يوميات أنصار 3»:
هُوَ السِّجْنُ مَدْرَسَةٌ لِلنِّضالاتِ
إِضْبارَةٌ لِلْعَلاقاتِ
شَمْسٌ تُخَلِّفُ أَجْسادَنا مُضْغَةً لِلسَّوادِ
إن هذه الصورة تجمع بين القسوة والوعي، فالسجن عذاب وملح وجرح، لكنه أيضًا مكان لتكوين الذات المناضلة، ومن داخل الزنزانة يكتب الشاعر إلى أمه، فتتحول الأم إلى صورة للوطن، وإلى ذاكرة تحفظ للذات توازنها الروحي. يقول:
المَوْكِبُ المَوْعُودُ شَقَّ طَرِيقَهُ عَبْرَ البِحارِ
وَسَرى تُعانِقُهُ النَّسائِمُ وَالمَحارُ
هنا لا يتحدث الشاعر عن حرية فردية فقط، بل عن موكب جماعي يشق طريقه إلى الانتصار. فالرسالة الخارجة من الزنزانة تتحول إلى فعل مقاومة، والكلمة تصبح قادرة على اختراق الحصار.
ثانيًا: الدعوة إلى استمرار النضال.
لا يكتفي الشاعر بتسجيل المعاناة، بل يحول النص إلى خطاب تعبوي، يستنهض الإرادة ويؤكد أن المقاومة ليست فعلًا عسكريًا وحده، بل حالة وعي شاملة. يقول في قصيدة «مداخل جديدة للوطن»:
خَلِّي الأَيادِيَ تُقاوِمُ
خَلِّي العُيُونَ تُقاوِمُ
خَلِّي الجُفُونَ تُقاوِمُ
في هذا التكرار تتسع المقاومة لتشمل: الجسد كله: اليد، والعين، والجفن. فالإنسان الفلسطيني، في رؤية الشاعر، يقاوم بوعيه ويقظته وذاكرته، لا بسلاحه وحده. وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في رمزية الحجر، خاصة في قصيدة «في البدء كان الحجر»، حيث يتحول الحجر من مادة صامتة إلى علامة سيادة وفعل تاريخي:
في البَدْءِ قَدْ كانَ الحَجَرُ
وَاليَوْمَ قَدْ صارَ الحَجَرُ
رَمْزًا لِتَحْقِيقِ السِّيادَةِ
ثالثًا: تمجيد الشهداء.
للشهيد حضور مركزي في شعر عبد الناصر صالح. إنه كائن يواصل الفعل في الذاكرة والوجدان والتاريخ. يقول في قصيدة «المجد ينحني أمامكم»:
المَجْدُ لِلشَّهِيدِ
يَبْزُغُ النَّهارُ مِنْ شِرْيانِهِ
وَمِنْ عَيْنَيْهِ يَطْلُعُ القَمَرُ
وَتَبْدَأُ الحَياةُ مِنْ يَدَيْهِ
هذه الصورة لا ترثي الشهيد بقدر ما تمنحه طاقة خلق جديدة، فمن دمه يطلع النهار، ومن عينيه ينهض القمر، ومن يديه تبدأ الحياة. وبذلك تتحول الشهادة من موت جسدي إلى ولادة رمزية للوطن.
أما من الناحية الفنية، فتقوم شعرية عبد الناصر صالح السجنية على جملة من الأدوات الجمالية، أبرزها الرمز، والصورة، والاستعارة، والتكرار، والإيقاع الداخلي.
ويبرز الرمز في مفردات مثل: الموكب، والبحر، والحجر، والزعتر، والحناء، والقمر، والليل. فـ»الموكب» يرمز إلى الحركة الجماعية نحو الحرية، و»البحر» يتصل بالامتداد والعمق والجذور، و»الحجر» يتحول إلى علامة انتفاضة وسيادة، بينما يحيل الزعتر والحناء إلى الأرض والذاكرة والانتماء.
أما الصورة الشعرية فتتميز عند شاعرنا بقدرتها على تحويل التجربة القاسية إلى مشهد جمالي كثيف. فهو لا يقول: إن الشهيد مصدر حياة، بل يجعل النهار يبزغ من شريانه، والقمر يطلع من عينيه! ولا يقول: إن الوطن محاصر، بل يقول:
يُحاصِرُكَ اللَّيْلُ أَنّى ذَهَبْتَ
يُحاصِرُكَ المَوْتُ أَنّى رَحَلْتَ
وَالشَّمْسُ مَغْلُولَةٌ في المَغِيبِ
تتحول المعاني المجردة هنا إلى كائنات فاعلة: الليل يحاصر، والموت يطارد، والشمس تغل، وهذه الاستعارات تكشف عن عالم مضغوط بالقهر، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن اللغة قادرة على مقاومة هذا القهر.
ويحتل التكرار موقعًا مهمًا في بناء الإيقاع والدلالة. ففي قصيدة «المجد ينحني أمامكم» يتكرر لفظ «المجد» ليصنع إيقاعًا احتفاليًا ملحميًا:
المَجْدُ لِلْحَجَرِ
المَجْدُ لِلسَّواعِدِ الَّتي تُقاتِلُ
المَجْدُ لِلْمُخَيَّماتِ وَالقُرَى المُحَرَّرَةِ
هذا التكرار بنية دلالية تؤكد أن المجد لم يعد حكرًا على البطولة الفردية، بل أصبح موزعًا على: «الحجر، والمخيم، والكوفية، والمتراس، والشارع، والعيون الساهرة».
ومن هنا يمكن القول: إن عبد الناصر صالح يكتب شعرًا لا يفصل بين الجمالي والوطني، فالصورة عنده ليست أداة وعي، والإيقاع نبض داخلي لتجربة جماعية، كما أن السجن في شعره لا ينتج عزلة مطلقة، بل يفتح النص على الوطن، والأم، والشهيد، والانتفاضة، والمستقبل.
وفي الخاتمة، تؤكد هذه الورقة أن شعر عبد الناصر صالح يمثل أنموذجًا بارزًا من نماذج أدب السجون الفلسطيني الهامة، لأنه يحول التجربة الشخصية إلى خطاب جمعي، ويجعل من المعاناة مادة فنية قادرة على حفظ الذاكرة وصناعة الأمل. لقد استطاع الشاعر أن يمنح القيد معنى، وأن يجعل من الزنزانة مساحة للكتابة، ومن الشعر فعل مقاومة لا يقل أثرًا عن الفعل الميداني.
إن شعر الأسر، كما تكشفه هذه التجربة، ليس بكاء على الحرية المفقودة، بل إعلان دائم أن الحرية تبدأ من الداخل، وأن الكلمة حين تكون صادقة تستطيع أن تكسر أكثر الجدران صلابة.







