ستختفي رائحة البارود من بلادي، وتحلّ مكانها رائحة البحر. سيكبر الأطفال وهم لا يعرفون صوت الانفجارات إلا كما نعرف نحن اليوم صليل سيوف الحروب القديمة؛ شيئاً بعيداً، يكاد يشبه الأسطورة.
وفي أمسيات الشتاء، حين تلتفّ العائلة حول مواقد النار وتملأ رائحة الشاي بالميرمية المكان، ستجلس الجدّة في صدر المجلس، ويتحلق الأطفال حولها كنجومٍ صغيرة حول قمرٍ عتيق. تتعلّق عيونهم بشفتيها، وتصغي أرواحهم قبل آذانهم، وما إن تبدأ الحكاية حتى تتسع الغرفة لعالمٍ كامل من الأبطال.
سيستمعون إلى قصصٍ كثيرة لم يشهدوها، ويذكرونها وكأنها أساطير قديمة عن أبطالٍ خارقين ووحوشٍ لا تُصدَّق. ستروي لهم الجدة عن أمٍّ مكلومة كانت تبحث عن طفلٍ بشعرٍ كيرلي، أبيضانيّ وحلو ستقول إن وحشاً بمخالب طويلة وأسنانٍ من حديد خطفه منها، فيفتح الأطفال عيونهم بدهشة وخوف، ويرسم كلٌّ منهم في خياله صورةً مختلفة لذلك الطفل المغدور.وستحكي أيضاً عن طفلةٍ صغيرة أحبت جدّها، وأحبها حتى كانت له «روح الروح». كانت تضحك فيزهر قلبه، لكن الوحش نفسه اختطفها منه أيضاً.ثم تسكت الجدة قليلاً، وتنظر إلى البعيد، كأنها ترى زمناً لا يراه سواها. وعندما يسألها الأطفال: «وكيف تعرفين كل هذه الحكايات؟»ستبتسم ابتسامةً يختلط فيها الحزن بالنجاة، وتقول بهدوء:
«لأنني كنت هناك… كنت طفلةً أيضاً في ذلك الوقت. في السابعة أو الثامنة من عمري. طفلةً بقدمٍ مبتورة… وقبل ذلك بقدمين اثنتين.»
عندها سيدرك الأطفال أن ما ظنّوه أساطير لم يكن كذلك، وأن الوحوش كانت حقيقية، وأن الأبطال لم يطيروا في السماء ولم يمتلكوا قوى خارقة؛ كانوا أناساً عاديين جداً، أحبّوا، وخافوا، وبكوا، وتمسكوا بالحياة رغم كل شيء.
وسيظلّ البحر يرسل صوته من بعيد، بينما تنتهي الحكاية ويعمّ الصمت. وحين ينام الأطفال، سيحمل كلٌّ منهم في قلبه صورة بطلٍ من تلك الأيام، لا ليحزن على ما كان، بل ليعرف أن الشعوب التي تنجو من النار، تصبح هي نفسها الضوء.




