تواصل ولاية مستغانم ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات السياحية الصاعدة في الجزائر، بفضل الديناميكية التنموية التي أطلقتها السلطات الولائية خلال السنوات الأخيرة، والتي ارتكزت على رؤية إستراتيجية طموحة تهدف إلى تثمين المؤهلات الطبيعية والثقافية التي تزخر بها الولاية، وتحويلها إلى قطب سياحي واستثماري متكامل يستقطب الزوار والمستثمرين على حد سواء.
سخّرت السلطات المحلية جهودا ميدانية مكثفة لتأهيل البنية التحتية السياحية، ورفع العراقيل عن المشاريع الاستثمارية، وتحسين جودة الخدمات والمرافق العمومية، بالتوازي مع إطلاق برامج تهيئة واسعة للشواطئ والفضاءات الترفيهية والمواقع التاريخية، في خطوة تعكس إرادة حقيقية لجعل مستغانم وجهة سياحية تنافسية على المستوى الوطني.
وأكد مدير السياحة والصناعة التقليدية، زلماطي محمد الشريف، أن ولاية مستغانم أصبحت اليوم وجهة سياحية راقية ومفضلة لدى العائلات الجزائرية، بعدما حقّقت قفزة نوعية في مجالات الاستثمار السياحي، الترقية والترويج السياحي، مشيرا إلى أن تنوّع الأنماط السياحية التي تزخر بها الولاية جعل منها مقصدا متكاملا يجمع بين السياحة الشاطئية، الترفيهية، الغابية، الثقافية والدينية.
وأوضح أن الولاية تتوفر على شريط ساحلي يمتد على طول 124 كيلومترا، يضمّ 57 شاطئا مسموحا للسباحة، استقطبت خلال موسم الاصطياف الفارط أكثر من 16 مليون مصطاف، في مؤشر يعكس الجاذبية المتزايدة التي باتت تتمتع بها مستغانم كوجهة صيفية بامتياز.
وفي إطار السياحة الترفيهية، كشف المتحدث أن حديقة الألعاب والترفيه “موستالاند”(Mostaland)، المصنفة كأكبر حديقة تسلية على مستوى غرب البلاد، استقطبت خلال موسم اصطياف 2025 قرابة مليوني زائر، ما يؤكد تنامي الإقبال على الفضاءات الترفيهية العائلية بالولاية.
كما تزخر مستغانم بمقومات سياحية متنوّعة تشمل السياحة الغابية عبر فضاءات طبيعية على غرار “غابة الحرية” و«غابة بورحمة”، إضافة إلى السياحة الثقافية والدينية التي تتجلى في معالم تاريخية بارزة، منها ضريح سيدي لخضر بن خلوف، قصبة تجديت، فضلا عن مواقع الذاكرة ومراكز التعذيب التاريخية التي تحوّلت إلى فضاءات تستقطب الزوار والباحثين في التاريخ الوطني، إلى جانب السياحة العلمية المرتبطة بخط غرينيتش الذي يمرّ عبر الولاية.
وأشار مدير السياحة إلى أن مستغانم تضمّ حاليا 81 موقعا سياحيا معتمدا من طرف وزارة السياحة والصناعة التقليدية، إضافة إلى 18 مسارا سياحيا معتمدا، ما يعكس ثراء وتنوّع المنتوج السياحي المحلي.
أرضية خصبة للاستثمار السياحي
تواصل السلطات الولائية تكثيف جهودها لتهيئة مناخ استثماري واعد، عبر مرافقة المستثمرين في القطاع السياحي وتوفير مختلف التسهيلات الإدارية، مع العمل على رفع العراقيل التي تعيق تجسيد المشاريع ميدانيا، في إطار إستراتيجية ترمي إلى تشجيع الاستثمار المحلي واستقطاب مشاريع نوعية قادر على دعم التنمية الحركية السياحية بالولاية.
وفي هذا السياق، أكد والي الولاية، أحمد بودوح، أن الجزائر تعيش حركية تنموية جديدة بفضل الإصلاحات التي أقرها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، والتي جعلت من السياحة رافدا استراتيجيا لتنويع الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة.
وأشار الوالي إلى أن مستغانم تعدّ من الولايات الواعدة في مجال الاستثمار السياحي، بالنظر إلى ما تتوفر عليه من مؤهلات طبيعية وسياحية وثقافية، موضحا أن الولاية تحوز 16 منطقة توسع سياحي بمساحة إجمالية تقدر بـ4300 هكتار.
ومن بين هذه المناطق، منطقة التوسّع السياحي “سلف شاطئ”، التي تمّت المصادقة على مخطط تهيئتها بمساحة 230 هكتارا، مقسمة إلى 36 حصة موجهة للاستثمار السياحي، إضافة إلى المصادقة على أربعة مخططات تهيئة سياحية أخرى، في خطوة تعكس الإرادة الجادة للدولة في توفير العقار السياحي وتشجيع المشاريع الاستثمارية الكبرى.
كما أبرز والي الولاية أن رفع العراقيل عن المشاريع الاستثمارية سمح بمنح رخص استغلال نهائية لـ9 مؤسسات فندقية بطاقة تفوق 1300 سرير، مؤكدا أن الرهان اليوم يُعدّ بناء إعلام سياحي احترافي ضرورة استراتيجية لمواكبة التحولات التي يعرفها العالم في مجال الاتصال والترويج للوجهات السياحية، حيث أصبح أداة فعّالة لصناعة الصورة الذهنية للدول وتعزيز حضورها في الفضاء الرقمي العالمي. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى إعلام سياحي جزائري يقوم على الاحترافية، ويستند إلى الإبداع والابتكار في تقديم المحتوى، بما ينسجم مع تطلعات الجمهور المحلي والدولي ويواكب التطوّر التكنولوجي المتسارع.
ويقتضي هذا التوجّه الاستثمار في أدوات التحوّل الرقمي وتطوير منصات إعلامية حديثة تعتمد على الصورة والفيديو والوسائط التفاعلية، إلى جانب تشجيع صناعة المحتوى السياحي بلغات متعدّدة وبأساليب عصرية قادرة على الوصول إلى مختلف الفئات. كما يتطلّب الأمر تكوين موارد بشرية متخصّصة تجمع بين المعرفة الإعلامية والإلمام بالمجال السياحي، بما يسمح بإنتاج مضامين مهنية تُبرز تنوع الجزائر الطبيعي والثقافي والحضاري، وتُقدّمها بصورة جذابة وواقعية.
الجزائر تمتلك رصيدًا غنيًا من المقومات السياحية، بدءًا من عمقها التاريخي وتنوعها الثقافي، وصولًا إلى ثرواتها الطبيعية الممتدة من البحر إلى الصحراء، غير أن هذه الإمكانات تحتاج إلى إعلام فعّال قادر على تحويلها إلى صورة عالمية مؤثرة. فالإعلام السياحي الاحترافي يسهم في تعزيز الهوية الوطنية، ودعم الاقتصاد، وترسيخ مكانة الجزائر كوجهة سياحية واعدة في المنطقة والعالم.
قفزة نوعية في الاستثمار الفندقي
أكد المسؤول ذاته، أن الولاية قطعت أشواطا معتبرة بعد رفع القيود الإدارية عن عدد من المشاريع الاستثمارية، موضحا أن عدد المؤسسات الفندقية ارتفع من 35 مؤسسة قبل سنتين إلى 43 مؤسسة حاليا، بطاقة استيعاب تصل إلى 5000 سرير.
كما يجري حاليا إنجاز 10 مشاريع سياحية تتراوح نسب تقدمها بين 20 و90 بالمائة، ومن المرتقب أن توفر عند دخولها حيز الخدمة أكثر من 3000 سرير إضافي، إلى جانب خلق ما يزيد عن 2500 منصب شغل مباشر.
وأضاف أن الموسم الحالي سيشهد دخول مؤسسة فندقية جديدة حيز الاستغلال، بطاقة 48 سريرا، مع توفير 15 منصب شغل مباشر، بما يعزّز قدرات الاستقبال والإيواء خلال موسم الاصطياف.
تحضـــيرات مبكـرة لموســم اصطيــــاف استثنائـي
ومع اقتراب موسم الاصطياف لسنة 2026، كشف مدير السياحة أن التحضيرات انطلقت مبكرا عبر اجتماعات دورية للمجلس التنفيذي، خصّصت لضبط مختلف الإجراءات التنظيمية والميدانية المتعلقة بتهيئة الشواطئ وتحسين الخدمات السياحية.
وأوضح أن اللجنة الولائية المكلفة بمتابعة تحضيرات موسم الاصطياف باشرت خرجاتها الميدانية لمعاينة 57 شاطئا مسموحا للسباحة، بالتنسيق مع البلديات الساحلية التي انطلقت بدورها في عمليات التهيئة والتنظيف والتجهيز، بهدف ضمان جاهزية الشواطئ لاستقبال المصطافين في أفضل الظروف.
تهيئة الشواطئ أولوية القطاع
أكد محمد شريف زلماطي أن تهيئة الشواطئ وتشجيع المشاريع الاستثمارية من أبرز أولويات القطاع، مشيرا الى استفادة الولاية خلال الموسم الحالي من عمليتين أساسيتين، تتعلّق الأولى بإعداد دراسة مخطّط التهيئة السياحية لمنطقة التوسّع السياحي عين إبراهيم، بغلاف مالي يقدر بـ380 مليون سنتيم، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الاستثمار السياحي.
أما العملية الثانية، تتمثل في تهيئة وتجهيز شاطئ “خروبة” في إطار البرنامج القطاعي، بغلاف مالي يقدر بـ5.3 مليار سنتيم، تشمل تهيئة المساحة العلوية للشاطئ وتحويلها إلى فضاء متكامل للراحة والترفيه، مع العناية بالمساحات الخضراء على طول الواجهة البحرية.
كما تمّ تسجيل عدة مشاريع تنموية عبر البلديات الساحلية، حيث خصصت دائرة مستغانم غلافا ماليا قدره 1.75 مليار سنتيم لتهيئة الشواطئ، إلى جانب مليار سنتيم لإنجاز الإشارات الأفقية على مستوى الطرقات.
وبدائرة حاسي ماماش، تمّ اقتناء حاويات موجهة لشواطئ بلدية استيديا بتمويل يفوق 300 مليون سنتيم، إضافة إلى إنجاز مراحيض ومرشات بشاطئي صبلات 1 و2 بقيمة 800 مليون سنتيم، فضلا عن إنشاء مركز للحماية المدنية بغلاف مالي يقدر بـ1.1 مليار سنتيم.
أما بدائرة سيدي لخضر، فقد تمّ تسجيل مشاريع لإنجاز مراكز للدرك الوطني والحماية المدنية بشاطئ “كاف لصفر”، وربطه بالكهرباء العمومية وتدعيم الإنارة العمومية بغلاف يفوق 3 مليارات سنتيم، إلى جانب اقتناء لوحات توجيهية وتهيئة السلالم لتحسين الولوج إلى الشواطئ.
وفي إطار تنظيم استغلال الفضاءات الشاطئية، أشار المدير إلى المشروع في إجراءات منح حق الامتياز للاستغلال السياحي للشواطئ، حيث ستخصص 30 بالمائة من المساحة الإجمالية لكل شاطئ للاستغلال السياحي، مقابل الإبقاء على 70 بالمائة كفضاءات حرة لفائدة المصطافين.
خرجات ميدانية متواصلة
وفي مجال الترويج السياحي، أعلن مدير القطاع عن إطلاق الطبعة الثالثة لمسابقة “أحسن وأجمل بلدية ساحلية”، مع تخصيص غلاف مالي بقيمة مليار سنتيم للبلدية الفائزة، إلى جانب فتح مكتب للتوجيه السياحي وفضاء لبيع المنتجات التذكارية الخاصة بالصناعة التقليدية بميناء مستغانم البحري، بهدف تعزيز جاذبية الوجهة السياحية للولاية.
وبالموازاة مع هذه المشاريع، تتواصل الخرجات الميدانية الدورية التي تقوم بها لجان مختلطة تضمّ مختلف القطاعات المعنية، للوقوف على مدى تقدم التحضيرات الخاصة بالشواطئ، ومعالجة النقائص المسجلة في الآجال المحدّدة.
وشملت المعاينات تهيئة مداخل الشواطئ، تنصيب اللوحات التوجيهية، متابعة عمليات التنظيف والطلاء وصيانة الإنارة العمومية، مراقبة توفر المياه الصالحة للشرب، والتأكد من جاهزية مرافق الأمن والحماية المدنية، مع رفع التحفظات المسجلة خلال الزيارات السابقة.
كما سخّرت السلطات المحلية مختلف الإمكانيات المادية والبشرية لضمان نجاح موسم الاصطياف، من خلال تنفيذ عمليات ميدانية واسعة شملت تنظيف الطرقات والمحيط العام، رفع الأتربة والنفايات، إصلاح النقاط المتضررة، صيانة الأرصفة والحواجز وتجديد الإنارة العمومية.
دعم الجاذبية السياحية
تحدي آخر رفعته السلطات المحلية خلال السنوات الأخيرة من خلال تهيئة الواجهات البحرية، ضمن رؤية تنموية الهدف إلى تحويل الفضاءات الساحلية إلى نقاط جذب عصرية تستقطب العائلات والزوار.
وأكد زلماطي أن هذه المشاريع تندرج ضمن مشاعر ترقية السياحة المستدامة، من خلال تهيئة فضاءات ترفيهية متكاملة الخدمات وتراعي الجوانب الجمالية والبيئية، مع توفير مسارات المشي ومرافق عصرية تنسجم مع الطابع الطبيعي للشريط الساحلي.
وشملت العملية تخصيص 18 مليار سنتيم لتهيئة الواجهة البحرية
«صابلات” و16 مليار سنتيم الواجهة “ليفلاز”، لتتحوّل إلى فضاءات نابضة بالحياة وتمنح المدينة بعدا حضاريا وسياحيا جديدا، خاصة أفضل مواقعها البانورامية المكلة على البحر وقال مدينة مستغانم.
وتعكس هذه الديناميكية المتسارعة حرص السلطات المحلية على توفير بيئة سياحية متكاملة وآمنة، ترتكز على النظافة، جودة الخدمات، وتوفير مختلف المرافق الضرورية، بما يضمن موسما صيفيا ناجحا يرقى إلى تطلعات المواطنين والزوار، ويعزّز مكانة مستغانم كواجهة سياحية واستثمارية رائدة في الجزائر.






