يشكّل التحكّم في الموارد المائية وترشيد استغلالها أحد ابرز التحديات المطروحة بولاية بشار في ظلّ التوسّع الصناعي والزراعي الذي تعرفه المنطقة، خاصة مع المشاريع الإستراتيجية الكبرى المرتبطة بالصناعة والمنجم والزراعة الصحراوية، وهو ما جعل مسألة تثمين المياه التقليدية وغير التقليدية ضرورة حتمية لضمان استدامة التنمية بالمناطق الصحراوية.
برزت أهمية التوجّه نحو استغلال المياه المعالجة والمصفاة وإعادة إدماجها ضمن الدورة الاقتصادية لتخفيف الضغط على الموارد الجوفية التقليدية، لاسيما مع ارتفاع الطلب على المياه الموجهة للاستعمال الصناعي والخدماتي، بالتوازي مع الحاجة إلى ضمان التزويد المستمر بالماء الصالح للشرب.
كما يفرض واقع التنمية ببشار اعتماد رؤية جديدة تقوم على الاقتصاد في استهلاك المياه وتشجيع إعادة استعمالها، الى جانب دعم التكنولوجيات النظيفة ومبادئ الاقتصاد الدائري، بما يسمح بتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية الثروة المائية.
وتعدّ منطقة التوميات من بين النماذج التي تعكس هذا التوجّه، من خلال مشاريع تزويدها بالمياه المعالجة والمصفاة قصد استغلالها في النشاطات الصناعية، وهو خيار يهدف الى تقليص الاستنزاف المتزايد للموارد الجوفية، خاصة في ظلّ التوسّع المرتقب للمنطقة الصناعية الكبرى.
كما يبرز استغلال المياه المالحة في بعض النشاطات الصناعية كأحد الحلول البديلة المطروحة لمواجهة تحديات الندرة المائية، الى جانب مواصلة الدراسات التقنية والهيدروجيولوجية لحوض الساورة من أجل تحسين آليات التسيير المدمج للموارد المائية وضمان استدامتها.
وتتزايد الحاجة اليوم إلى تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات والمتعاملين الاقتصاديين والهيئات العلمية من أجل ترسيخ ثقافة الاستعمال العقلاني للمياه، ودعم البحث العلمي والابتكار لإيجاد حلول تتماشى مع خصوصيات البيئة الصحراوية ومتطلبات التنمية الصناعية المستقبلية.
ويكتسي هذا التوجّه أهمية أكبر مع المشاريع الاقتصادية الكبرى التي تعرفها الولاية، وعلى رأسها مشروع منجم الحديد بغارا جبيلات، إضافة الى توسّع مشاريع الزراعة الصحراوية والمنطقة الصناعية بالتوميات، وهي مشاريع تفرض اعتماد سياسة مائية متوازنة تضمن استمرارية التنمية دون المساس بالمخزون الجوفي الاستراتيجي للمنطقة.
وجاء ذالك خلال تنظيم الوكالة الوطنية للتسيير المدمج للموارد المائية التابعة لوزارة الري، ممثلة في وكالة الحوض الهيدروغرافي الصحراء، يوما دراسيا تقنيا بقاعة المحاضرات بجامعة محمد طاهري ببشار تحت عنوان “حشد الموارد المائية التقليدية وغير التقليدية من أجل ترقية القطاع الصناعي بمنطقة الساورة”.
يندرج هذا اليوم الدراسي المنظم مؤخرا حسبما أفادت به مصالح وكالة الحوض الهيدروغرافي الصحراء ومقرها بورقلة، في إطار الجهود الرامية إلى ترشيد استعمال الموارد المائية وتعزيز التنمية المستدامة بالمناطق الصحراوية.
وقد عرف هذا اللقاء مشاركة واسعة لمختلف الفاعلين في قطاعي الري والصناعة، إلى جانب المتعاملين الاقتصاديين، وممثلي المؤسسات والهيئات الرسمية، إضافة إلى الأساتذة والباحثين، في إطار تعزيز التعاون وتبادل الخبرات قصد تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة قائمة على حسن استغلال الموارد المائية.
وجاء تنظيم هذا اليوم الدراسي بالشراكة بين مديرية الموارد المائية لولاية بشار ووكالة الحوض الهيدروغرافي الصحراء، وبمساهمة فعّالة من جامعة بشار، تجسيدا للاتفاقية المشتركة في مجال البحث العلمي وربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي والتنموي.
وشهدت أشغال اللقاء طرح ومناقشة عدة محاور أساسية تمحورت حول واقع وآفاق التسيير المائي بالمنطقة، حيث تمّ تقديم عرض مفصل حول وضعية قطاع الري بولاية بشار، خاصة ما يتعلق بالمياه الموجهة للاستعمال الصناعي والخدماتي، إلى جانب رخص حفر الآبار وآليات تنظيم استغلال الموارد الجوفية، كما تمّ التطرّق إلى مسألة تأمين التزويد بالماء الصالح للشرب بولاية بشار، باعتبارها من أهم التحديات المرتبطة بالتوسع العمراني والاقتصادي.





