تحـويـل الوسائــط الحديثــة مـن مصـدر تهديــد إلى أداة تربويـة فاعلــة
ترى الباحثة إلهام بوداود، بأن التحولات الرقمية والتكنولوجية المتسارعة تفرض اليوم تحديات كبيرة على الطفل، بعدما أصبح محاطا بفيض من المعلومات والمؤثرات التي تؤثر في وعيه وهويته وقيمه.
وبين فرص التعلّم التي تتيحها الوسائط الحديثة ومخاطرها المتعددة، بات الاهتمام بثقافة الطفل ضرورة لبناء جيل واع ومتوازن، قادر على الاستفادة من التكنولوجيا دون التفريط في لغته وهويته وانتمائه الثقافي.
أكدت الباحثة إلهام بوداود في تصريح لـ»الشعب»، أن الطفل اليوم أصبح يمثل «مشروع أمة»، معتبرة أن الاستثمار الحقيقي في المجتمعات يبدأ من بناء وعي الطفل وتنمية قدراته الفكرية والنفسية والقيمية، خاصة في ظلّ التحولات الرقمية المتسارعة التي غيرت شكّل التعلم والتواصل وحتى تشكيل الهوية.
وأوضحت المتحدثة، أن الاهتمام بثقافة الطفل لم يعد يقتصر على تقديم المعرفة المدرسية التقليدية، بل يشمل بناء شخصية متوازنة قادرة على التفكير والتحليل والتعبير والتفاعل الإيجابي مع العالم.
وأضافت أن الطفل المعاصر يعيش وسط تدفق هائل للمعلومات والصور والمؤثرات الرقمية، وهو ما يفرض تحديات كبيرة تتعلّق بالهوية والانتباه والقيم واللغة والعلاقات الإنسانية، الأمر الذي يجعل من الضروري الاستثمار في ثقافة الطفل بطريقة ذكية تواكب العصر وتحافظ في الوقت نفسه على الخصوصية الثقافية والحضارية للمجتمع.
وفي حديثها عن كيفية مواجهة هذه التحديات، شدّدت الباحثة على أهمية تحويل الوسائط الحديثة من مصدر تهديد إلى أداة تربوية فاعلة، مؤكدة أن التكنولوجيا في حد ذاتها ليست خطرا، وإنما تكمن الخطورة في طريقة استخدامها وغياب التوجيه.
وأبرزت إمكانية توظيف التطبيقات التعليمية والقصص التفاعلية والألعاب الذكية والمنصات الرقمية في تنمية التفكير والإبداع واللغة والذاكرة لدى الطفل، شرط أن تُبنى وفق رؤية تربوية تحفظ القيم والهوية.
كما أكدت أن الأسرة تبقى عنصرا أساسيا في عملية التوجيه، لأن الطفل ـ حسبها ـ لا يحتاج فقط إلى الرقابة، بل إلى الحوار والاحتواء والتوجيه الواعي الذي يعلمه كيف ينتقي ويحلل ويفكر بطريقة سليمة.
وفي السياق ذاته، أبرزت إلهام بوداود أهمية الكتاتيب القرآنية والزوايا والمدارس التعليمية التقليدية، باعتبارها فضاءات تساهم في غرس القيم الدينية والوطنية والأخلاقية لدى الطفل منذ الصغر، مشيرة إلى أنها لا تقتصر على تعليم القرآن الكريم فحسب، بل تعمل أيضا على تعزيز ارتباط الطفل بلغته ودينه ووطنه، وتكوين شخصيته على قيم الاحترام والانضباط والتكافل وحب العلم.
واعتبرت أن هذه الفضاءات تشكّل جسرا يربط الأجيال بمرجعيتها الحضارية والثقافية، خاصة في ظل تسارع المؤثرات الخارجية التي قد تضعف انتماء الطفل إذا غاب التأطير الواعي.
وأضافت المتحدثة أن حماية الهوية الثقافية لا تكون من خلال العزل والانغلاق، بل عبر بناء طفل واثق من ذاته، مرتبط بلغته وتاريخه وتراثه وقيمه الإنسانية والدينية، وقادر في الوقت نفسه على الانفتاح على العلوم والمعارف الحديثة والتفاعل الإيجابي مع العالم.
وعن واقع الاهتمام بثقافة الطفل في الجزائر، أكدت الباحثة أن هناك جهودا معتبرة تبذلها المؤسسات التربوية والثقافية، إلى جانب المبادرات الجمعوية والمراكز المختصة والأنشطة الموجهة للأطفال، فضلا عن الدور المهم الذي تقوم به الكتاتيب والمدارس القرآنية والجمعيات المحلية في حماية الطفل ثقافيا وأخلاقيا. كما أشارت إلى تنامي الوعي بأهمية التكفل النفسي والبيداغوجي بالأطفال، خاصة ذوي الاحتياجات الخاصة وذوي صعوبات التعلّم.
غير أنها شدّدت في ختام تصريحها على ضرورة الانتقال من المبادرات الموسمية إلى بناء مشروع وطني مستدام لثقافة الطفل، يقوم على التكامل بين الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية والمتخصصين، مؤكدة أن الطفل اليوم لا يحتاج فقط إلى الحماية، بل إلى صناعة بيئة تنمي وعيه وتمنحه أدوات المستقبل، لأن كل أمة تنجح في فهم طفلها تنجح في صناعة مستقبلها.






