السلطات الفرنسية أكثر اقتناعا اليوم بأن مقاربة التصعيد لم تحقق النتائج المرجوة
تتجه العلاقات الجزائرية الفرنسية، تدريجيا نحو استعادة قدر من التوازن والهدوء، ضمن مقاربة تقوم على الاحترام المتبادل، والندية في التعامل، وصون المصالح المشتركة بين البلدين. وفي هذا السياق، شهدت الأشهر الأخيرة سلسلة من الاتصالات والزيارات الرسمية التي تعكس إرادة متبادلة لإعادة بناء جسور الحوار ومعالجة الملفات العالقة.
ستتدعم الحركية اللافتة على صعيد التواصل بين الجانبين، بالزيارة المرتقبة، لوفد جزائري رفيع المستوى، إلى باريس، بقيادة وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، السعيد سعيود.
وفي شهر فيفري الماضي، استقبلت الجزائر وزير الداخلية الفرنسي، قبل أن تستقبل خلال شهر ماي وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، في زيارة حملت دلالات سياسية مهمة، بالنظر إلى طبيعة الملفات التي طُرحت خلالها للنقاش.
وقد شملت المباحثات عدداً من القضايا الحساسة والمعقدة، من بينها استئناف التعاون القضائي بين البلدين، وبحث آليات استرجاع الأموال الجزائرية المنهوبة الموجودة بالخارج، فضلاً عن تعزيز التعاون الأمني ومكافحة مختلف أشكال الجريمة العابرة للحدود.
ويحظى ملف التعاون الأمني بأهمية خاصة في العلاقات الثنائية، إذ لا يتوقف مسؤولون فرنسيون وأجهزة أمنية عن التأكيد على الدور المحوري الذي تضطلع به الجزائر في هذا المجال، خصوصاً في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. وتُجمع العديد من التقديرات على أن تراجع مستويات التنسيق خلال فترة الأزمة انعكس سلبا على فعالية باريس إلى إعادة تقييم أهمية الشراكة مع الجزائر في هذا الجانب الحيوي.
ومن المنتظر أن يتعزز هذا المسار من خلال زيارة وفد جزائري رفيع المستوى يقوده وزير الداخلية والجماعات المحلية، حيث ستشكل ملفات التعاون الأمني والهجرة والتنسيق القضائي وقضايا أخرى ذات اهتمام مشترك محوراً رئيسياً للمباحثات، في خطوة يُنظر إليها باعتبارها امتداداً للجهود الرامية إلى إعادة بناء الثقة وتقريب وجهات النظر بين البلدين.
في المقابل، تبدو السلطات الفرنسية أكثر اقتناعاً اليوم بأن مقاربة التصعيد التي سادت خلال المرحلة السابقة، والتي ارتبطت بخطابات ومواقف متأثرة بأطروحات اليمين المتطرف، لم تحقق النتائج المرجوة على صعيد إدارة العلاقة مع الجزائر. فبدلاً من معالجة الخلافات، ساهمت تلك المقاربة في تعميق الأزمة وتعقيد الملفات الثنائية.
ومن هذا المنطلق، تنظر دوائر القرار في باريس إلى الزيارة المرتقبة للوفد الجزائري باعتبارها مؤشراً إيجابياً على نجاح خيار الحوار القائم على الندية والاحترام المتبادل، كما تمثل فرصة جديدة لفتح صفحة أكثر براغماتية في العلاقات الثنائية، تسمح بتقليص أسباب التوتر والتقدم نحو حلول عملية للقضايا العالقة، بما يخدم مصالح البلدين ويعزز الاستقرار والتعاون في المنطقة.

