ترسيخ التوجّـه نحـو حمـايــة الذّاكـرة وإدماجها فـي التنميـــة
أعلنت جامعة المسيلة عن تنظيمها الملتقى الدولي «التراث بين إعادة الاستخدام وإعادة الإدماج في العالم المعاصر». ويأتي هذا الملتقى، المنظم بالتعاون مع «مؤسسة تراثنا للدراسات والترميم» وجامعة البلقاء التطبيقية بالأردن وجامعة القدس بفلسطين، ليفتح المجال أمام الباحثين والمختصين في مجالات التراث، الهندسة، التخطيط، الفنون، الأنثروبولوجيا، السياحة، الجيوماتيك، وغيرها..لتقديم رؤاهم وتجاربهم بما يضمن تكاملا معرفيا يسهم في بلورة حلول واقعية.
ينظّم «مخبر المدينة الذكية، الجيوماتيك والحوكمة»، التابع لمعهد تسيير التقنيات الحضرية بجامعة «محمد بوضياف» المسيلة، بالتعاون مع «مؤسسة تراثنا للدراسات والترميم»، وقسم هندسة العمارة بجامعة البلقاء التطبيقية (الأردن)، وجامعة القدس (فلسطين)، الملتقى الدولي «التراث بين إعادة الاستخدام وإعادة الإدماج في العالم المعاصر»، وذلك من 17 إلى 19 نوفمبر المقبل.
ودعت جامعة المسيلة الأكاديميين من داخل وخارج الوطن، ومكاتب الدراسات والمجتمع المدني، إلى المشاركة في هذه التظاهرة العلمية الدولية، التي تفتح المجال أمام الباحثين والمختصين في مجالات التراث، الهندسة، التخطيط، الفنون، الأنثروبولوجيا، السياحة، الجيوماتيك، وغيرها، لتقديم رؤاهم وتجاربهم حول الموضوع، «بما يضمن تكاملا معرفيا يغني النقاش ويساهم في بلورة حلول واقعية». كما دعت الجامعة الراغبين في المشاركة من خارج الجزائر إلى الإسراع بإرسال الملخص لتفادي أي تأخير في المعاملات.
ويعالج الملتقى ستة محاور، أولها «تقنيات الحفظ والتوثيق» الذي يتطرق إلى منهجيات حفظ التراث بين الأساليب التقليدية والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، والمسح الرقمي كأداة معاصرة لحماية التراث المعماري، وثانيها «إعادة الاستخدام والتخطيط المعماري»، ويعنى بتحديات العمارة المعاصرة من خلال دراسات ومشاريع تطوير حضري، وإعادة تأهيل التراث المهجور وتفعيله في سياق العمارة والتخطيط الحضري في القرن العشرين، وحماية وتعزيز المساكن التاريخية بوصفها تراثا حيا. أما المحور الثالث «التراث والسياحة والمجتمع»، فيعرج على حفظ المواقع الأثرية كأحد محركات السياحة العالمية، وأنماط التفاعل المجتمعي مع المواقع والمعالم التراثية في السياق المعاصر. فيما يدرس المحور الرابع «التراث في ظل الأزمات والصراعات» مسألة حماية التراث المعماري والعمراني خلال فترات التوتر السياسي من حيث التحديات وآفاق الترميم، وكذا الاعتداءات والانتهاكات التي تطال المواقع التراثية وسبل الحد منها.
ويتطرّق المحور الخامس «الإدارة والتسيير التشاركي» إلى التوثيق والتقنيات الحديثة باعتبارها ركيزة في حفظ التراث، وإلى استراتيجيات الإدارة التشاركية في مشاريع صون وإعادة تأهيل التراث. بينما يركز المحور السادس والأخير «التراث الثقافي اللامادي» على التمثلات الاجتماعية والممارسات اليومية أثناء بناء أو إعادة تأهيل الأحياء السكنية كعناصر من التراث اللامادي، والمهارات الفنية والمعارف التقليدية كأدوات لترميم المباني والمحافظة عليها.
ووفقا للمنظّمين، فإنّ الجزائر بحكم موقعها الجغرافي بين إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط وفي قلب المغرب العربي، قد شهدت تعاقب حضارات متعددة، وتركت هذه الحضارات آثارا مادية ورمزية شكلت تراثا غنيا ومتنوّعا. ويعكس هذا التراث ذاكرة جماعية حية، ويشكّل مرجعا لهوية المجتمع الجزائري. وقد أخذت قضايا حفظ التراث، منذ القرن العشرين، حيزا واسعا في السياسات الثقافية عالميا.
ونوّه المنظّمون بجهود الجزائر في هذا الصدد، وهي التي أولت هذا المجال أهمية منذ الاستقلال، ودعمت جهودها التشريعية والتنظيمية من خلال إصدار قوانين متخصصة، والمصادقة على المعاهدات الدولية، ما رسّخ التوجه نحو حماية التراث وإدماجه في التنمية والسياحة.
كما أنّ الهدف من الحفاظ على التراث لم يعد مقتصرا على الصون المادي، بل توسّع ليشمل إعادة الاستخدام والدمج في الحياة المعاصرة. ويعزز هذا التوجه استمرارية التراث من خلال التفاعل مع الحاجات المعاصرة، ويسهم في ضمان ديمومته ثقافيا، لذلك، فالرهان اليوم لا يقتصر على الحفاظ على التراث ككتلة صامدة، بل يتمثل في استثماره داخل نسيج المدينة والفضاء العام، من خلال إعادة إحيائه كوحدة متكاملة أو إدماجه ضمن تكوينات معمارية ووظيفية جديدة، بما ينسجم مع متطلبات الحياة المعاصرة.
هذا التوجه يفرض إعادة النظر في منهجيات الحفظ، عبر الاستفادة من تقنيات التوثيق الحديثة، واستخدام الذكاء الاصطناعي في المسح الرقمي، وتطوير أنظمة الإدارة التشاركية التي تضمن إشراك المجتمعات المحلية في عملية الحفاظ وإعادة التأهيل.
من جهة أخرى، تبرز أهمية التعامل مع التراث كعنصر ديناميكي، يرتبط بالممارسة الاجتماعية اليومية، من خلال إعادة استخدام البنايات المهجورة، وتحويلها إلى فضاءات حيوية تدعم التخطيط الحضري المعاصر، وتوفر حلولا لتحديات المدينة الحديثة. وفي السياق نفسه، لا يمكن إغفال العلاقة بين حماية المساكن القديمة، وصون التراث كحالة معيشية، ترتبط بالهوية والخصوصية، خاصة في الفترات التي تعرف توترا سياسيا أو تحولات عمرانية.
ولم يعد التراث الأثري موضوعا للنظر الأكاديمي فقط، بل أصبح محرّكا فعالا للسياحة الدولية، في ظل تساؤلات متزايدة حول كيفية تفاعل المجتمعات المعاصرة مع مواقعها التاريخية، وسبل جعل هذه الفضاءات جزءا من الحياة اليومية بدل أن تبقى معزولة عنها. وهو ما يستدعي تجاوز النظرة الجامدة نحو التراث إلى فهم أعمق لممارسات السكان، لتمثيلاتهم الاجتماعية، وللدراية الفنية التي توارثوها، خاصة أثناء عمليات البناء، الترميم، وتطوير الأحياء السكنية.






