جني ثمار إصلاحات الرئيس تبون وترسيخ المكاسب الديمقراطية
تستعد الجزائر لمحطة ديمقراطية حاسمة ودورة انتخابية مفصلية مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في الثاني من جويلية المقبل، حيث يمثل هذا الاستحقاق الوطني برسم عهدته العاشرة، فرصة تاريخية لترسيخ الممارسة الديمقراطية وجني مكاسب الإصلاحات العميقة التي باشرها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون لأخلقة الحياة السياسية وتجديد الصرح المؤسساتي للبلاد.
تخوض الأحزاب السياسية والقوائم المستقلة المعترك الانتخابي الحاسم متسلحة بمكاسب تشريعية غير مسبوقة، تضمنتها المنظومة القانونية الجديدة التي أعادت صياغة قواعد العمل السياسي في البلاد، وتأتي في مقدمة هذه الترسانة القانونية المحدثة نصوص قانون الأحزاب السياسية وقانون الانتخابات اللذان يمثلان معا قطيعة حقيقية مع الممارسات البائدة، ويؤسسان لمرحلة جديدة ترتكز على أخلقة الحياة السياسية، وتعزيز الشفافية، وإعادة الاعتبار للصندوق كفيصل وحيد في تحديد الخيارات الشعبية.
وجاءت التعديلات الجوهرية كترجمة فعلية وعميقة لسياسة الحوار الشامل والتشاور المستمر التي انتهجها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، منذ إطلاقه لمسار الإصلاحات السياسية. فقد حرص الرئيس على إقحام جميع الفاعلين في الساحة الوطنية، من تشكيلات سياسية وخبراء وأكاديميين، في كافة مراحل صياغة القوانين ومراجعتها قبل إقرار صيغتها النهائية، في سابقة فريدة تعكس الإرادة الصادقة للدولة في بناء جزائر جديدة قائمة على التوافق والتشاور.
ولقد تجسدت المقاربة التشاركية بشكل ملموس في استجابة السلطات العليا للانشغالات الميدانية التي عبرت عنها الطبقة السياسية؛ حيث أمر رئيس الجمهورية – في مناسبات عدة – بتأجيل ومراجعة بعض النصوص التقنية لتعميق الدراسة والاستماع لمقترحات الأحزاب، ومن أبرز مظاهر هذه الاستجابة، مراجعة مشروع تعديل القانون المحدد للدوائر الانتخابية وعدد المقاعد، وكذا تعديل النظام الانتخابي ليتماشى مع تطلعات الفاعلين السياسيين ويضمن حماية المكاسب الديمقراطية.
ولعل من أبرز المكاسب الميدانية التي حملتها المنظومة المحدثة، إضفاء مرونة أكبر على العملية الانتخابية، من خلال منح الأحزاب صلاحيات أوسع في ضبط قوائم المترشحين لتصحيح الاختلالات السابقة، كما شكل الاعتماد الكامل على نظام الأصوات الفردية لكل مترشح ثورة في آليات التصويت، إذ قضى نهائياً على سلبيات الترتيب المسبق للقوائم الذي كان يحدث نوعاً من الاحتكار، ليصبح تقييم المترشح معتمداً مباشرة على خيار الناخب الحر.
إن إخضاع هذه القوانين للتقييم والإصلاح المستمر يؤكد المرافقة الدائمة للدولة للطبقة السياسية بمختلف أطيافها، ومساعدتها على التأقلم مع التحولات الكبرى للساحة الوطنية. ويهدف هذا الرهان الإصلاحي في أبعاده السياسية والاجتماعية إلى معالجة ظاهرة العزوف الانتخابي، واسترجاع ثقة المواطن في الفعل الانتخابي، من خلال إفراز مجالس شعبية منتخبة تتمتع بشرعية حقيقية، وتكون قادرة على نقل انشغالات المواطنين الفعلية والتكفل بها بكل نزاهة وكفاءة.
«الأمن القانوني».. الرهان الأكبر
إن جودة أداء البرلمان القادم لن تُقاس بالمقاربة الكمية القائمة على تعداد التشريعات وحجم القوانين المصادق عليها، إنما ستخضع لتقييم موضوعي يرتكز أساساً على نوعية النصوص ومدى نضجها وصياغتها القانونية، ويمثل هذا التحول النوعي في الممارسة التشريعية انتقالاً من فكرة المشرع الغزير الإنتاج إلى فكرة المشرع الحريص على الأثر، حيث يصبح الهدف الأسمى للمجلس الشعبي الوطني هو تحقيق الفعالية والجدوى التي تخدم الدولة والمواطن على حد سواء وبشكل متوازن.
ويتجلى هذا المفهوم بعمق فيما يصطلح عليه الأكاديميون وخبراء القانون الدستوري بـ»الأمن القانوني»، وهو الذي يعتبر ركيزة أساسية من ركائز الجزائر الجديدة، فالأمن القانوني يتطلب – بالضرورة – صياغة نصوص واضحة ومفهومة، خالية من الغموض أو اللبس والتعقيد اللغوي الذي قد يفتح المجال للتأويلات الخاطئة؛ ما يضمن للمواطن والمتعامل الاقتصادي والمؤسسات معرفة حقوقهم وواجباتهم مسبقاً وبكل استقرار وثبات.
ولا يتوقف نضج التشريعات عند وضوح الصياغة وحسب، إنما يمتد ليشمل مدى استجابتها الصارمة للمعايير الدستورية وتوافقها التام مع روح المبادئ التي أقرها المؤسس الدستوري، فالتناغم الدستوري يقي المنظومة القانونية من الوقوع في فخ التناقضات، ويضمن سلامة النصوص قبل تمريرها، لتأتي لاحقاً المحكمة الدستورية في مرحلة الرقابة لتؤكد هذه الشرعية، وتصون البناء التشريعي من أي انحراف عن القواعد العليا للجمهورية.
إن المحك الحقيقي لأي نص تشريعي يفرزه البرلمان المقبل، يكمن في قابليته للتطبيق الميداني الفوري، والابتعاد التام عن القوانين «الجامدة» التي تظل حبراً على ورق لسنوات طويلة، فالقانون الفعال هو ذلك الذي يراعي الظروف الموضوعية والإجرائية للمجتمع، وينزل إلى واقع الممارسات اليومية ليعالج الانشغالات الحقيقية والميدانية للمواطنين، مستنداً إلى آليات تنفيذية واضحة ومباشرة لا تنتظر مسارات بيروقراطية معقدة.
إن تكريس مفهوم «الأمن القانوني» في أجندة نواب العهدة العاشرة، سيسهم بشكل مباشر في رفع سقف الممارسة الديمقراطية وتطوير أدوات الرقابة البرلمانية والتشريع، فعندما ينتج البرلمان نصوصاً نوعية وناجعة، فإنه يضع بين يدي السلطة التنفيذية أدوات تسيير حديثة وذكية، تتيح مساءلة الحكومة بفعالية بناءً على معايير أداء واضحة، تفضي في النهاية إلى تعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي الشامل في البلاد، ذلك أن رهان العهدة التشريعية العاشرة، سيتجاوز الدور الكلاسيكي للأسئلة الشفوية والمكتوبة والبعثات الاستعلامية، ليمتد نحو تفعيل حقيقي وآمن لأدوات الرقابة البرلمانية الفعالة، وسيكون النواب الجدد أمام مسؤولية تفعيل آليات نوعية بحجم حق الاستجواب، وتشكيل لجان التحقيق البرلمانية، والالتزام الصارم بمناقشة ومساءلة الحكومة حول بيان السياسة العامة، فضلاً عن تفعيل أدوار الدبلوماسية البرلمانية للجزائر في المحافل الدولية.
إن تضافر جهود السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالتنسيق مع الأجهزة القضائية والأمنية، والدعم اللوجستي لوزارتي الداخلية والنقل، وصولاً إلى المحكمة الدستورية التي ستراقب دستورية النتائج، كلها مؤشرات تؤكد أن موعد الثاني من جويلية سيكون بوابة الجزائر نحو عهد ديمقراطي متجدد، تفرز فيه الإرادة الشعبية الحرة مؤسسات قوية بنزاهتها وكفاءتها.

