متحــف مفتـوح يعكـــس تعاقـــب حضـــارات وثقافات مختلفــة عــبر الزّمـن
تعد ولاية سيدي بلعباس من الولايات التي تزخر برصيد عمراني ومعماري متميز، جعل منها متحفا مفتوحا يعكس تعاقب حضارات وثقافات مختلفة عبر الزمن، وبالرغم من مبانيها ومنشآتها التي تجمع بين الطابع الكلاسيكي وفنون العمارة الحديثة، تحتفظ الولاية بهوية عمرانية فريدة تروي صفحات من تاريخها العريق، ومع التوسع الديمغرافي والعمراني المتسارع، خاصة بعاصمة الولاية التي شهد نسيجها الحضري تشبعا ملحوظا، اتجهت السلطات إلى اعتماد مخططات توسعية جديدة تستجيب لمتطلبات التنمية الحضرية.
يبرز القطب الحضري لتلموني كأحد أكبر المشاريع العمرانية على المستوى الوطني، إذ يمتد على مساحة تفوق 1321 هكتارا ويشمل عدة بلديات مجاورة، كما تعرف بلديات سيدي لحسن وسيدي إبراهيم وقرية بلولادي حركية عمرانية متنامية تؤهلها لتكون أقطابا حضرية واعدة، في مشهد يعكس التحولات العميقة التي تشهدها الولاية، وسعيها لتحقيق توازن بين المحافظة على تراثها المعماري ومواكبة متطلبات التوسع الحضري الحديث.
وتشهد سيدي بلعباس حركية تنموية ومشاريع واعدة، بعد إطلاق عدة مشاريع تنموية مست مختلف القطاعات، من تهيئة حضرية وتحسين شبكة الطرقات، إلى تعزيز الهياكل التربوية والصحية، كما تم تسجيل تقدم في برامج السكن بمختلف صيغه، إلى جانب جهود متواصلة لتطوير المناطق الصناعية، وخلق مناصب شغل لفائدة الشباب.
تميّــز في عالـم التكنولوجيــا الإلكترونيـة الحديثــــة
الولاية ذات الطابع الفلاحي أصبحت أيضا قطبا صناعيا بامتياز، لما بلغته المؤسسة الوطنية للصناعات الالكترونية “ايني”، من تطور وتميز في عالم التكنولوجيا الالكترونية الحديثة، فالبرغم من طابعها الفلاحي العريق، استطاعت الولاية أن تتحول تدريجيا إلى قطب صناعي واعد، بفضل الديناميكية الاقتصادية المتصاعدة، التي اعتمدتها مؤسسة “ايني” معتمدة على مواردها البشرية ومؤهلاتها البحثية.
فقد اتجهت المؤسسة الوطنية لتطوير مؤهلاتها الإنتاجية لتعود مؤخرا لإنتاج أجهزة التلفاز، وتسويق نوعين جديدين 32 بوصة و43 بوصة، هذان المنتجان يجمعان بين الجودة العالية، التصميم العصري، معايير تقنية وأمنية معتمدة دوليا، ويتم تسويقهما بالسعر التنافسي، كما تصنع المؤسسة 150 ألف وحدة للدفع الالكتروني في الشهر، وتسير نحو رفع الإنتاج إلى 100 ألف وحدة في سنة 2026.
وتهدف من خلال المنتوج الكبير الى تلبية احتياجات البنوك والمؤسسات المالية والتجارية الوطنية، وحتى تجار الجملة والتجزئة وتقليص الاعتماد على الاستيراد، كما تحولت أيضا الى صناعة المعدات الكهربائية ذات التوتر العالي 30 كيلو فولت.
وقد تمكنت “ايني” من استرجاع مكانتها كشريك صناعي موثوق في تعزيز الشمول المالي والتحول الرقمي، حيث تحولت أيضا إلى صناعة وحدة أنظمة الأمن والعرض بتقنية “لاد” للجيل الجديد، مصممة خصيصا لرفع مستوى الأمان في المؤسسات والمنشآت الكبرى، عن طريق المراقبة بالفيديو عالية الدقة تضمن رؤية واضحة على مدار الساعة وتحكم احترافي في الدخول لإدارة، الحركة داخل المرافق بثقة وفعالية، وأنظمة كشف مبكر للحرائق تمنح سرعة الاستجابة وتقليل المخاطر مع حماية متقدمة من الاقتحام ترصد التهديدات قبل وقوعها من خلال شاشات عرض ديناميكي LED بأداء بصري قوي ورسائل تواصل فعالة.
وبعد أن أصبحت نموذجا رائدا في الصناعة الإلكترونية الجزائرية، وفاعلا استراتيجيا في دعم الاقتصاد الوطني يعزز موقع الجزائر في سوق التكنولوجيا الحديثة، تحولت “ايني” أيضا للاستثمار في الموارد البشرية والبحث العلمي بالاعتماد على مخابرها الخمس ومخابر الجامعة وسواعدها، لتتحول لمجال الإلكترونيك المهني عن طريق تنويع منتجاتها مع رفع نسبة الإنتاج بمكونات جزائرية محضة، على غرار إنتاج الرقاقات الالكترونية والحلول الالكترونية.
وتتسم ولاية سيدي بلعباس بمركبها للعتاد الفلاحي الذي يعد من المؤسسات الرائدة وطنيا وقاريا في مجاله، حيث يصنع سنويا حوالي 500 حاصدة، ويطمح لبلوغ تصنيع 1000 حاصدة سنويا على اختلاف أنواعها وأصنافها وأدوارها، ويصنع جرارات من شأنها تسهيل المهام أمام الفلاحين.
هذه المعدات تصنع بالشراكة مع شركات أجنبية على غرار شركة صامبو الايطالية للحاصدات، بالإضافة الى آلة الحصاد الجديدة من نوع فيراتو المحلية الصنع، والتي من المرتقب تصديرها لعدة دول افريقية مستقبلا، كما أصبح يصنع آلة بذر وجني وشحن البطاطا، إضافة الى التعاون العلمي والبحثي مع الجامعة والقطاع الصحي.
كما تزخر ولاية سيدي بلعباس بملبنة عمومية جيبلي تسالة وملبنة تابعة للقطاع الخاص فرومالي، تنتجان كمية 120 الف لتر من الحليب يوميا، بينما تعد ولاية سيدي بلعباس حوضا لإنتاج حليب البقر بقدر بـ 97 مليون لتر سنويا، إضافة الى ثروة حيوانية كبيرة وإنتاج وفير من الخضروات والفواكه.
وتتوفر الولاية على منطقة صناعية تتربع على مساحة إجمالية مقدرة بـ 434 هكتار، ومنطقة التوسعة بمساحة 54 هكتارا تمت تهيئتها، تنشط بها العديد من المؤسسات الصناعية العمومية والخاصة، كما تمت تهيئة منطقة صناعية ببلدية رأس الماء بمساحة 100 هكتار يتم تجهيزها لبعث الاستثمار بها، كما توجد منطقة صناعية پلدية تلاغ و4 مناطق نشاطات نموذجية جديدة في كل من تلموني وبلعربي والطابية.
الفلاحة..العمـــود الفقــري للاقتصـــاد المحلـي
كما تعد الفلاحة الركيزة الأولى بالولاية، إذ تتربع المنطقة على مساحة إجمالية تقدر بـ 363000 هكتار، منها 136.100 هكتار تم تخصيصها لزراعة الحبوب بمختلف أنواعها و2.250 هكتار بزراعة البقول الجافة، كما تم إحصاء 33 ألف فلاح، ولبعث الاستثمار الفلاحي الاستراتيجي، تم تعيين ثلاث محيطات على مساحة إجمالية تقدر بـ 17 ألف هكتار ببلديتي مرحوم وبئر الحمام موجهة لزراعة الحبوب والأشجار المثمرة، الزراعة الصناعية، الزراعة الزيتية، زراعة الخضروات، زراعة الأعلاف وأيضا تربية المواشي، وزعت على 63 مستثمر.
كما استفاد 10 مستثمرين خلال هذا العام من عقود الامتياز لإنجاز مشاريع صناعية منتجة على مساحة إجمالية تقدر بـ 13 هكتارا بمناطق النشاط الصناعية والحظيرة الصناعية لبلدية سيدي بلعباس، على غرار الصناعة التحويلية القابلة للتصدير، الفلاحة، الرسكلة، البناء والأشغال العمومية، النقل والخدمات، السياحة، الصحة والنشاطات المنجمية.
ويرتقب أن تسهم في استحداث أكثر من 509 منصب عمل مباشر، وذلك في إطار تجسيد سياسة الدولة الرامية إلى ترقية الاستثمار المنتج، وتحسين مناخ الأعمال، ودعم المبادرات الاقتصادية ذات القيمة المضافة.
ولتعزيز قدرات التخزين، استفادت ولاية سيدي بلعباس من انجاز صومعة إستراتيجية بسعة مليون قنطار من الحبوب، تجري أشغالها ببلدية تسالة و10 مخازن للحبوب بعدد من البلديات، منها ما تم انجازه ومنها ما هو في طور الانجاز.
كما تتربع الولاية على المفرخة الجهوية المتواجدة ببلدية الطابية على مساحة 6 هكتارات، دخلت حيز الخدمة في 2025 بعد إعادة ترميمها وتجهيزها ببئر عميق، بإطلاق أولى عمليات إنتاج 30 ألف صغار السمك من نوع البلطي الأحمر، وفتح وحدة لإنتاج أعلاف الأسماك بقرية الجواهر، كما تقدم متعامل آخر من ولاية سعيدة بمشروع تحويل المنتجات المائيات، في حين تدعم قطاع الصيد البحري وتربية المائيات بتعاونية مهنية لتربية أسماك المياه العذبة، كما تحصي مديرية الصيد البحري 80 فلاحا ينشطون في تربية الأسماك في أحواض السقي ذات السعة 1000 الى 10 آلاف متر مكعب.
الجامعــة في صلــب التنميـة
أصبحت جامعة الجيلالي اليابس مركز إشعاع علميا بفضل تصنيفاتها المتقدمة ومخابرها البحثية، خاصة في الهندسة وعلوم المادة والزراعة، أهلها لاحتلال المراتب الأولى في التصنيفات الدولية، وطنيا، إقليميا وإفريقيا، وأهلها أيضا لتكون مركزا بحثيا بامتياز.
الجامعة التي تحولت إلى جامعة للجيل الرابع لم تعد فضاء للتكوين فقط، بل شريكا فعليا في التنمية المحلية، من خلال مشاريع بحثية مشتركة مع القطاعين الصناعي والفلاحي، وقد تدعمت حظيرتها بمركز تطوير البحث العلمي في المجال الزراعي، أطلق عليه تسمية انريكو ماتي الذي سيتم تجسيده في إطار التعاون الجزائري الإيطالي.
كما أبرمت شراكات تعاون مع عدد من المؤسسات العمومية التعليمية والاقتصادية وقطاع التكوين المهني لتشجيع الشباب على خلق مؤسساتهم الناشئة وتطوير ابتكاراتهم إلى مشاريع.
السّياحة القلب النّابض للمدينة
عرفت سيدي بلعباس انتعاشا سياحيا ملحوظا، خاصة بعد إعادة تهيئة بحيرة سيدي محمد بن علي الى حظيرة حضرية تستقطب العائلات ليلا ونهارا، في حضور دائم لرجال الدرك الوطني الذين يحرصون على تأمين المواطنين وممتلكاتهم.
وبالنظر إلى ما تزخر به من مواقع طبيعية خلابة وإمكانات واعدة قابلة للتثمين وتنويع العروض السياحية وترقية القطاع بالمنطقة، تراهن الولاية على مشاريع كبرى منها تحويل جبال تسالة وسد صارنو إلى وجهات سياحية واعدة، تجمع بين السياحة الجبلية، البيئية والاستجمامية.
وينتظر صدور مرسوم تنفيذي لتصنيف جبال العطوش التي تمتد على ارتفاع 1061 متر، تعيش بها أنواع من الحيوانات وبها أنواع من النباتات منها الطبية، وبها العديد من منابع المياه العذبة الصالحة للشرب، منطقة التوسع السياحي.
وقد عاينت مديرية السياحة مساحة إجمالية تقدر بـ 81.50 هكتار، منها 7.4 هكتارات قابلة للاستغلال لاحتضان مشاريع ذات قيمة مضافة، ما يفتح المجال أمام إنجاز مرافق متنوعة من شأنها تعزيز جاذبية المنطقة كوجهة للاسترخاء والاستجمام، تتمثل المشاريع المقترحة في مركب فندقي رياضي يجمع بين خدمات الإيواء ومرافق مخصصة للرياضة والترفية، فندق مناخي يعتمد على الخصوصيات البيئية للمنطقة ليشكّل وجهة مثالية للسياحة الصحية والاستجمام، وكذا خلق مسار مخصص للتنزه والرحلات يتيح للزوار والمهتمين بالبيئة فرصة لاكتشاف الطبيعة، مع فضاءات للراحة والأنشطة الترفيهية.
أما بالنسبة لسد صارنو، يمتد فضاء التوسع السياحي على مساحة إجمالية تقدر بـ 53 هكتارا، منها 11.7 هكتارا، حيث تقترح السلطات الولائية خلق قرية للإيواء والضيافة بطابع يجمع بين الأصالة والحداثة، فندق مع حظيرة للتسلية لاستقطاب العائلات والزوار الباحثين عن أجواء ترفيهية آمنة، مع خلق منطقة للاسترخاء والترفيه تمنح المتنفس الطبيعي لقضاء أوقات ممتعة وسط مناظر طبيعية مميزة.
وتسعى مديرية السياحة من خلال هذه المشاريع إلى إحداث ديناميكية جديدة في النشاط السياحي بالولاية، وخلق مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة، وتعزيز التنمية المحلية المستدامة. ومن جهتها تبذل المصالح البلدية بسيدي بلعباس جهودا خاصة لإعادة الاعتبار لصورة المدينة، لا سيما من خلال ترميم معالمها، حيث لقيت عملية ترميم القلاع باستيد، دار الضياف والقبة السماوية ترحيبا كبيرا من السكان، المتمسكين بالحفاظ على تراثهم المعماري.
وقد تم خلال السنوات الفارطة تصنيغ قصر البلدية والمسرح الجهوي الى معلمين معمارين وطنيين، بالإضافة إلى عدد من القصور التي تنتظر الترميم والتصنيف على غرار قصر لومي، قصر بيلا، قصر غوشو، قصر الغزلان، والمزرعة البيضاء ببلدية بوخنيفيس، قصر بيران بطريق سيدي لحسن، هذه القصور والقلاع مازالت شاهدة على عراقة المدينة، بينما هدمت وخربت القصور التي شيدت خارج النسيج الحضري واندثرت عن آخرها.
وفي السياق ذاته، يجري تنفيذ برنامج متكامل للتهيئة الحضرية، يأتي في مقدمته تهيئة ساحة المولد النبوي الشريف على مستوى حي سيدي الجيلالي، على مسافة لا تقل عن خمسة هكتارات والمهيأة لتضفي جمالية على المشهد الحضري وتتحول إلى فضاء للترفيه والاستجمام، وتضاف الى ساحة الألفية وساحة المقطع.
الغابات التّرفيهية متنفّس العائلات
ويغطي ولاية سيدي بلعباس مساحات غابية تقدر بـ 213000 هكتار على غرار غابة بوحريز الترفيهية، منطقة عين بنت سلطان بجنوب ولاية سيدي بلعباس، وأيضا جبل لآلة روبة يمتد على ارتفاع 80 م ومنبع المياه ببلدية سيدي علي بن يوب.
ومن جهتها خصّصت محافظة الغابات مساحة إجمالية تقدر بـ 76 هكتارا لإنشاء غابات الاستجمام، على مستوى المنطقة المسماة جبل رفاس بغابة تلاغ، غابة الزقلة بالمنطقة المسماة سيدي نافع بإقليم بلدية مرين، غابة سليسن التابعة لبلدية مولاي سليسن وغابة توميات جنوب بإقليم بلدية الضاية.
وقد خصّصت محافظة الغابات في السنوات الأخيرة مساحة قدرت في مجملها بـ 126,3 هكتار لفائدة 31 فلاحا عبر ثماني بلديات من الولاية، لغرس الأشجار الغابية والأشجار المثمرة المقاومة للجفاف كالزيتون واللوز وغرس أشجار الخروب.
وقد استفادت الولاية أيضا من مشاريع كبرى للحد من أزمة المياه التي تجتاحها بسبب قلة مصادرها الباطنية، حيث استفادت مؤخرا من مشروع تحويل المياه المحلاة من شاطئ الهلال بولاية عين تموشنت وتنتظر الظفر بمشروع تحويل المياه من شاطئ الرأس الأبيض بولاية وهران.
وما زالت الولاية تنتهج منهج التطوير التنموي تجسيدا لإستراتيجية السلطات العليا في البلاد.



