750 مليــــار دولار استثمـارات فـي الذكــــاء الاصطنــاعــي والأثـــر الاقتصـادي يثــــير الجــــدل
بعد مرور ثلاثة أعوام ونصف على الإطلاق الجماهيري لمنصة «ChatGPT»، تضع الطفرة الراهنة لاستثمارات الذكاء الاصطناعي التوليدي، الاقتصاد العالمي أمام تساؤل جوهري حول طبيعة هذه المرحلة: هل تمثل ثورة تاريخية مستدامة أم مجرد فقاعة مالية عابرة؟
في وقت يظلّ قياس الأثر الاقتصادي للذكاء الاصطناعي – على المدى الطويل – أمرا معقّدا يفتقر إلى البعد الزمني الكافي للمعاينة، فإن ارتداداتها على المدى القصير تبدو مذهلة وعابرة للمؤشرات التقليدية.
وتشير البيانات المالية الصادرة عن مؤسسة «بلاك روك» – أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم – إلى أن حجم الإنفاق العالمي الموجّه لتطوير بنى الذكاء الاصطناعي مرشح لبلوغ عتبة 750 مليار دولار خلال العام الجاري، وتتوزّع هذه الاستثمارات الضخمة، التي تتركز أساسا في الولايات المتحدة الأمريكية والصين، على إنشاء مراكز بيانات عملاقة، وتطوير نماذج لغوية أكثر كفاءة، وصناعة الرقائق الإلكترونية الدقيقة، فضلا عن تأمين مصادر الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيلها؛ وهو إنفاق تاريخي يعيد إلى الأذهان طفرة نمو شبكة الإنترنت في تسعينيات القرن الماضي.
ويتجلى هذا الأثر السريع في تغذية مؤشرات النمو؛ حيث صارت استثمارات الذكاء الاصطناعي تساهم بمفردها في دعم النمو الأمريكي بنحو نقطة كاملة، تترجم كقيمة صافية بواقع نصف نقطة بعد خصم حجم الواردات التكنولوجية القادمة من آسيا، وفقا لمعطيات مؤسسة «كاندريام» لإدارة الأصول.
وعلى الصعيد العالمي، تؤكد تقارير «سوسيتي جينيرال» أن هذه الاستثمارات ستضخ 0.4 نقطة في معدل النمو العالمي (المقدر بنحو 3 بالمائة)، وهو ما يفسر مرونة الاقتصاد الدولي وصموده أمام الصدمات الجيوسياسية والتجارية الراهنة، مثل إغلاق مضيق هرمز وفرض الرسوم الجمركية الأمريكية.
وفي مقابل التفاؤل المفرط لمحللي «وول ستريت» الذين يتوقّعون استمرار قفزات أرباح الشركات المصنعة للرقائق ومطوري مراكز البيانات بمتوسط نمو استثماري يعادل 10 بالمائة سنويا – وهو ما يعني تضاعف النمو الأمريكي من 2 بالمائة إلى 4 بالمائة والدخول في نمط اقتصادي شبيه بالثورة الصناعية البخارية – تبرز قراءات نقدية مغايرة بين كبار الاقتصاديين؛ إذ أحدث البروفيسور «دارون عجم أوغلو»، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، جدلا واسعا بتأكيده أن عائد الإنتاجية على مدى عقد من الزمن سيكون شبه منعدم، في حين تبنّت «مؤسسة بروكينغز» طرحا متفائلا يتوقع نموا سنويا في الإنتاجية بنسبة 1.8 بالمائة.
وتتكامل هذه القراءة السوسيولوجية والاقتصادية مع واقع ميداني يكشف أن توظيف الذكاء الاصطناعي لا يزال في طَوْر التجريب الأولي والبدائي؛ فرغم أن 71 بالمائة من الشركات الأمريكية الكبرى أدمجت هذه التقنية، إلا أن الغالبية العظمى حصرتها في نطاق ضيق من المهام، بينما لم تتعدَّ نسبة الاستغلال الواسع عتبة 7 بالمائة، وسط تأثر قطاعات عينية ومحدّدة مثل المبرمجين، والمترجمين، وصناع المحتوى المرئي.
ويعود هذا التباطؤ، بحسب شهادة «أرتور مينش» رئيس شركة «ميسترال» الرائدة، إلى العوائق التنظيمية والمؤسساتية داخل الشركات الكبرى؛ فبينما يرفع الذكاء الاصطناعي إنتاجية الفرد المستقل بمعدلات مضاعفة، تنخفض هذه الفعالية تدريجيا داخل المجموعات الكبيرة بسبب إشكالات التواصل والتعقيد الإداري الذي يتطلّب وقتا طويلا للتكيف والتعديل البنيوي.
ومع ذلك، تلوح في الأفق مؤشرات ميدانية وتقارير رسمية تقترب بالمنظومة الاقتصادية من لحظة التحوّل التكنولوجي الحاسمة، حيث بدأت الملامح الأولية لطفرة إنتاجية جديدة تتشكل وراء الأرقام؛ إذ لم يعد الأمر متعلقا بتكهنات يطلقها الفاعلون في قطاع التكنولوجيا، أو مضاربات تقودها أسواق المال، إنما تحوّل إلى رصد نسقي تدعمّه مؤسسات مالية وبحثية كبرى، ترى في الأفق بوادر إعادة هيكلة شاملة لآليات الإنتاج وسلاسل القيمة عبر العالم.
وفي السياق، خلصت دراسة حديثة صادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو إلى أن التأثير الحالي للذكاء الاصطناعي على بنية الاقتصاد الكلي يماثل تماما الوضع التاريخي الذي كانت عليه شبكة الإنترنت في عام 1997؛ وهي المفارقة الزمنية التي تشير إلى أن الاقتصاد العالمي يقف الآن على أعتاب مرحلة الانتقال من الاستخدام التجريبي المحدود إلى مرحلة الاندماج الهيكلي العام، حيث تحتاج التقنيات الثورية عادة إلى فترة حضانة تنظيمية قبل أن تنعكس آثارها بوضوح على مؤشرات النمو الكلي.
ويفتح هذا التشابه التاريخي المستلهم من نهاية التسعينيات الباب واسعا أمام «تفاؤل حذر» في أوساط صنّاع القرار المالي والاقتصادي بشأن المعطيات المستقبلية؛ فالإقرار بوجود قواسم مشتركة بين الطفرتين الرقميتين يمنح الأسواق رؤية أكثر وضوحا للتعامل مع الفجوة الحالية بين حجم الإنفاق الضخم ومردوديته الآنية، متفادية السقوط في فخّ الأحكام المتسرّعة التي تبنتها قراءات نقدية راديكالية اعتبرت الاستثمار في الخوارزميات مجرد تبديد للموارد.
بناء على هذه الرؤية المقارنة، يصبح من المرجح إمكانية دخول الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة ومستدامة من النمو المرتفع المدفوع بإنتاجية الآلة والابتكار الرقمي، حيث يتوقّع الخبراء أن تسهم هذه الأدوات التوليدية في سدّ الثغرات التنظيمية ورفع كفاءة تسيير التدفقات المعرفية والصناعية، وسيتيح هذا النمط الناشئ للمؤسسات تجاوز معضلة «تراجع المردودية الجماعية» بمجرد إحداث التعديلات الهيكلية اللازمة داخل بيئات العمل واستيعاب الأنماط البرمجية الجديدة.
إن هذه القراءة الاستشرافية المدعومة بالبيانات الفيدرالية تعيد صياغة شروط النقاش حول دور التكنولوجيا في صياغة مستقبل الثروة؛ إذ لا يتعلّق الرهان الحقيقي برصد أرباح فورية أو طفرات عابرة، إنما بمدى قدرة المنظومة الاقتصادية الدولية على استغلال هذه الوسائط الذكية لإنتاج نمط نمو طويل الأمد، قادر على الصمود في وجه الأزمات الجيوسياسية، وإعادة الاعتبار للمفهوم الإستراتيجي للإنتاجية المستدامة.



