شهدت السّاحة التكنولوجية العالمية – بحر الأسبوع – تصعيدا قضائيا بارزا، عقب رفع عملاق التكنولوجيا الأمريكي «أبل» دعوى قضائية أمام المحاكم المختصة ضد شركة «أوبن آي» (OpenAI)، المطورة لمنصة الذكاء الاصطناعي الشهيرة «تشات جي بي تي» (ChatGPT)، تتهمها فيها بالاستيلاء على أسرار صناعية وتكنولوجية حساسة بطرق غير قانونية عبر استقطاب موظفين سابقين لديها.
وفي إطار هذه المعركة القانونية، وجّهت المكاتب الاستشارية والممثلون القانونيون لشركة «أبل»، مراسلات رسمية وإنذارات إلى أربعين موظفا يعملون حاليا في «أوبن آي»، تطالبهم فيها بضرورة الحفاظ على كافة الوثائق والمراسلات والبيانات ذات الصلة، وإبداء الجاهزية التامة لعقد لقاءات مع نوابها القانونيين، تحضيرا لمعركة قضائية من شأنها إعادة تشكيل خريطة التحالفات والرقابة على الملكية الفكرية في قطاع الذكاء الاصطناعي.
خلفيات الصّـراع ومساعــي التّنويــع الرّقمـي
وتستند مجموعة «أبل» في دعواها إلى وجود أدلة قوية وقرائن ملموسة تثبت قيام مجموعة من موظفيها السابقين الذين التحقوا بالشركة المنافسة، بنقل معلومات سرية ومحمية تتعلق بمنتجات مبتكرة، ومسارات تصنيعية، وتقنيات متطورة لم يتم الكشف عنها للعلن بعد. وارتبط هذا التحرك بمساعي «أوبن آي» لتنويع نشاطها ودخول سوق الأجهزة الرقمية والعتاد (Hardware) خلال عام 2025، لاسيما بعد أن أبرمت صفقة استحواذ ضخمة بقيمة 6.4 مليار دولار شملت الشركة الناشئة «آي أو» (io)، المؤسسة من قِبل المصمم السابق لدى «أبل»، جوني آيف.وفي سياق خطتها التوسعية، قامت الشركة المطورة لبرمجيات الذكاء الاصطناعي بتوظيف حوالي 400 إطار ومهندس من الكفاءات السابقة لشركة «أبل»، المتخصصة – تاريخيا – في صناعة الأجهزة والعتاد مثل هواتف «آيفون» وساعات «أبل» وسماعات «الأيربودز»، وهو ما جعل الشركة صاحبة الشعار الشهير تؤكد أن الأنشطة الناشئة لـ «أوبن آي» في مجال الأجهزة والعتاد الرقمي تقوم على أسس غير شرعية ومستمدة من الاستغلال غير القانوني لبراءات اختراع وأسرار تجارية مملوكة لغيرها.
اتّهامات مباشــرة واخـتراق للبيانـات الدّاخليــة
وتركّز الشكوى بشكل مباشر على مهندسين ومسؤولين بارزين؛ بينهم المهندس تشانغ ليو، الذي انتقل إلى «أوبن آي» عقب قضاء ثماني سنوات في أروقة «أبل»، حيث يواجه اتهامات بالولوج إلى بيانات بالغة السرية باستخدام الحاسوب الخاص بزميلة له، وتحريضها على نسخ وثائق داخلية قبيل توظيفها هي الأخرى، كما تشير الدعوى إلى احتفاظ المهندس المذكور بجهاز حاسوب تابع لجهة عمله السابقة، والتسلل عبره إلى الشبكة الداخلية للشركة.
وتشمل الملاحقة أيضا المسؤول التنفيذي تانغ تان، الذي تولى إدارة قطاع الأجهزة في «أوبن آي» بعد مسيرة مهنية امتدت لأربعة وعشرين عاما في «أبل»، شغل خلالها منصب نائب الرئيس المكلف بتصميم هواتف «آيفون»، حيث يُتهم بمحاولة استقاء معلومات حول المشاريع قيد التطوير من خلال استجواب مرشحين أثناء مقابلات التوظيف واستخدم مصطلحات ورموز مشفرة خاصة بـ «أبل».
«أوبـن آي» تـردّ بمشاريــع مستقبليـة
في مقابل الهجمة القانونية التي تقودها «آبل»، عبرت إدارة «أوبن آي» عن رفضها القاطع لهذه الاتهامات، مؤكدة التزامها التام بمبادئ المنافسة الحرة وحق الأفراد في اختيار بيئة عملهم بكل حرية، مع الإشارة إلى تركيز جهودها بالكامل على الابتكار التكنولوجي، ورغم التكتم حول طبيعة الجهاز الجديد الذي تطوره الشركة، تفيد تقارير إعلامية متطابقة بأنه يتجه ليكون مكبرا صوتيا ذكيا ومتنقلا، ومزودا بكاميرات وميكروفونات ليعمل كـ «مساعد شخصي» مدعوم بنظام الذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي».
تقلّبــات التّحالفـات الاستراتيجيــة
يمثل هذا التوتر الحاد تحولا جذريا في مسار العلاقات بين القطبين التكنولوجيين، بعد أن شهد منتصف عام 2024 تقاربا كبيرا وشراكة استراتيجية لإدماج تقنيات «تشات جي بي تي» في منظومة تشغيل هواتف «آيفون»، وتطورت الخلافات عقب قرار «أبل» مطلع عام 2026 الاعتماد على تطبيق «جميناي» التابع لمجموعة «غوغل»، وتوجهها نحو استكشاف قدرات نظام «كلود» المطور من قِبل شركة «أنثروبيك» المنافسة، ما دفع «أوبن آي» – في وقت سابق – إلى التلويح بمتابعات قضائية ضد «أبل» بدعوى الإخلال بالتزاماتها التعاقدية.
السّعــــي نحــو الهيمنــة..
ولا شكّ أن النزاع في ساحات القضاء يتجاوز حدود الخلاف القانوني والمالي التقليدي، ليصطدم بـ «أخلاقيات وفلسفة الاتصال»، حيث تعكس هذه المواجهة رغبة محمومة من الاحتكارات الكبرى في فرض هيمنة ثقافية واقتصادية جديدة.
إنّ محاولات الاستحواذ والتنافس الشرس على هندسة أدوات الذكاء الاصطناعي تمثّل تجسيدا معاصرا لآليات السيطرة وتشكيل الوعي الاجتماعي، حيث تسعى هذه الشركات لامتلاك «سوسيولوجيا الإقناع، وتوجيه سلوك الأفراد والمجتمعات عبر خوارزميات رقمية تصبح هي الوسيط الحصري للمعرفة الإنسانية.
وفي هذا السياق، يتضح كيف تعمد الرأسمالية الرقمية الفائقة إلى تحويل الإدراك البشري إلى مساحة مستهلكة؛ فبينما يتطلب الفهم الحقيقي والوجود الإنساني نوعا من السكينة والتأمل لملامسة جوهر الأشياء، تندفع هذه الكيانات نحو إغراق المستخدمين في «ضوضاء الحواس»، وفي فيض مستمر من المنبهات الرقمية والمساعدات الذكية المتواصلة.
إنّ تسليع المعرفة وتحويل براءات الاختراع والابتكارات الفكرية إلى أسلحة للاحتكار، يبرز كيف تصبح أدوات التواصل مفرغة من غاياتها الأخلاقية، لتتحول إلى قنوات لترسيخ الهيمنة، وتطويق الفضاء العام، وإلغاء استقلالية الإدراك البشري.
آفــاق الصّـراع المستقبلـي والرّهانـات الماليــة
وقد يكون واضحا أن هذه القضايا تندرج في إطار الممارسات الشائعة بين كبريات الشركات العالمية في الفضاء الرقمي، والتي تزاوج بين منطق التحالف والتنافس لفرض توازنات قوى جديدة في السوق، وغالبا ما تنتهي إلى إنضاج تسويات ودية خارج أروقة المحاكم، غير أن فتح هذه الجبهة القضائية الجديدة ضد «أوبن آي»، والآتي مباشرة بعد تجاوزها بنجاح للدعاوى المرفوعة من قِبل شريكها المؤسس إيلون ماسك، يشكّل تحديا إضافيا لطموحات الشركة وتطلّعاتها الاستراتيجية الرامية إلى طرح أسهمها في البورصة العالمية خلال الفترة المقبلة.






