تشهد الساحة الأدبية، وحركة النشر العالمية توجّها متزايدا نحو ما يعرف بـ«عصرنة النصوص الأدبية القديمة”، من خلال استبدال الإشارات الثقافية والتكنولوجية القديمة بأخرى حديثة، بهدف جذب القراء من الأجيال الصاعدة، وهي الديناميكية التي تثير نقاشا واسعا بين الأكاديميين وجمهور القراء.
وسجّلت صحيفة “نيويورك تايمز”، في عدد يوم أمس الأربعاء، أن تكرار طباعة رواية الشباب “Pretty Little Liars” للكاتبة سارة شيبارد، أثار انتقادات واسعة عبر الفضاء التواصلي، إثر استبدال عبارات تعود لعام 2006 (مثل برنامج تلفزيون الواقع “Fear Factor”) بمصطلحات معاصرة تنتمي لعام 2022، ترتبط بمنصات التواصل الاجتماعي مثل “تيك توك” و«إنستغرام” وأسماء فنانين عالميين حاليين.
وتعرف هذه الممارسة في أوساط النشر بـ«التحديث” أو “العصرنة”، وتستهدف أساسا روايات اليافعين والشباب، وتختلف تماما عن “تعديلات الحساسية اللغوية” التي تعنى بحذف العبارات المسيئة، ويرى مهنيون في قطاع النشر – تقول نيويورك تايمز – إن هذا التوجّه يمنح “حياة جديدة” للكتب، بحكم أن المعالم الثقافية والتكنولوجية لبداية الألفية لم تعد تقع ضمن اهتمامات الوجدان الشبابي الحالي.
وفي سياق متصل، يعتبر خبراء في أدب الشباب أن الإشارات الزمنية القديمة قد تكسر حالة الانسجام بين القارئ والنص، ما يفرض ضرورة مخاطبة الشباب بلغتهم المعاصرة لضمان استيعابهم للمضمون، متجاوزين بذلك العقبات غير الضرورية؛ وهو الطرح الذي أيده روائيون عالميون، على غرار أنتوني هوروويتز (مؤلف سلسلة أليكس رايدر) الذي أكد عدم تردّده في تعديل نصوصه لحذف تفاصيل تؤرخ للقصة مثل الأقراص المضغوطة أو الهواتف ذات الهوائيات الطويلة، معتبرا إياها عوائق أمام القارئ.
وتشمل عمليات التحديث بالدرجة الأولى الكتب الأكثر مبيعا والسلاسل الطويلة المستمرة، حيث تخضع التعديلات لتقديرات مرنة وبموافقة المؤلفين، مثلما حدث مع الكاتبة جودي بلوم التي رحبت بتحديث تفاصيل الرواية الخاصة بها تماشيا مع العصر، مؤكدة أن هذه الخطوة لا تغير جوهر القصة أو شخصياتها.
وتعتمد دور النشر العالمية (مثل دار سكولاستيك) في إعادة تغليف السلاسل الشهيرة على مبدأ جعل النصوص “عابرة للزمن”، بحيث يستبدل شريط الفيديو بـ«مشاهدة فيلم”، ودليل الهاتف بـ«البحث عن رقم”، لضمان تواصل الأجيال الجديدة مع الأعمال دون النظر إليها كمنتج قديم يخصّ الآباء.
وفي المقابل، يبدي أكاديميون وباحثون في أدب الشباب تحفّظا تجاه هذه المقاربة، معتبرين أن دفع الناشرين نحو العصرنة يعكس نوعا من “عدم الثقة” في قدرات القراء الشباب الذين يدرسون نصوصا معقدة مثل أعمال شكسبير.
ويحذر نقاد من خطورة تجريد النصوص من خصوصيتها الثقافية والتاريخية ومحو أصالتها، وهي الأصالة التي تبرز الحاجة الملحة للتمسّك بها تزامنا مع الطفرة الحالية للذكاء الاصطناعي.
واختتم تقرير نيويورك تايمز بالإشارة إلى الانعكاسات الحالية لهذا التوجّه على الكتابة المعاصرة؛ حيث بات الوكلاء والمحررون ينصحون المؤلفين الجدد بالتقليل من الإشارات الثقافية اللحظية (كذكر مشاهير الفن والرياضة المعاصرين) لتفادي تقادم الكتب سريعا في حال تغيرت تلك المعطيات، فيما اتجه كتاب آخرون إلى تحديد زمن رواياتهم في فترات سابقة تصل إلى عشرين عاما لتجنب مواكبة التطور المتسارع للتكنولوجيا، والابتعاد عن إقحام أدوات تقنية مؤقتة مثل “ChatGPT” في ثنايا النصوص الأدبية المستدامة.




