صدر مؤخرا كتاب جديد للدكتور علي حليتيم بعنوان “البدائي والإنسان.. الطب النفسي الكولونيالي في الجزائر”، في عمل بحثي يعد الأول من نوعه في الجزائر، يفتح ملفا ظلّ مهمشا لعقود طويلة، ويعيد قراءة تاريخ الطب النفسي خلال الحقبة الاستعمارية من زاوية نقدية تكشف أبعاده السياسية والإيديولوجية، بعيدا عن الصورة التي حاولت الإدارة الاستعمارية ترسيخها باعتباره مشروعا إنسانيا وحضاريا.
ويقدّم المؤلف من خلال هذا الإصدار دراسة معمقة تستند إلى وثائق وأرشيفات تاريخية، تكشف أن الطب النفسي في الجزائر خلال فترة الاستعمار لم يكن مجرد مؤسسة للعلاج والرعاية الصحية، بل تحوّل إلى أداة من أدوات السيطرة الاستعمارية، ومنصة لإنتاج نظريات عنصرية منحت الاحتلال مشروعية علمية وأخلاقية مزعومة تحت غطاء ما عرف آنذاك بـ«المهمة الحضارية”.
يستعرض الدكتور حليتيم بدايات ما عرف بـ«مدرسة الجزائر” في الطب النفسي، التي قادها الطبيب الفرنسي أنطوان بورو منذ سنة 1912، حيث طورت هذه المدرسة نظرية “البدائية” التي صورت إنسان الشمال إفريقي باعتباره كائنا يفتقر إلى القدرات العقلية العليا، وغير قادر على التفكير التجريدي أو بناء الوعي الأخلاقي، معتبرة أن هذا النقص المزعوم يعود إلى أسباب بيولوجية ثابتة لا يمكن تجاوزها.
ولا يتوقف المؤلف عند حدود عرض هذه الأطروحات، بل يكشف جذورها العنصرية، وكيف جرى توظيفها لتبرير الاستعمار وإضفاء شرعية علمية على التمييز، حتى وصل الأمر إلى تصوير الإسلام بوصفه عاملا ممرضا، وإنكار الفردانية والخصوصية الفكرية لشعوب المنطقة، في خطاب لم يكن يخفي نظرته الدونية للجزائريين.
قرن مـن الاحتـلال.. ومستشفـى غائـب
وفي واحدة من أكثر محطات الكتاب إثارة للتأمل، يتوقف المؤلف عند مفارقة تاريخية لافتة، تتمثل في غياب أي مستشفى متخصص في الأمراض النفسية بالجزائر طوال قرابة قرن من الاحتلال الفرنسي، حيث كانت السلطات الاستعمارية ترسل المرضى الأوروبيين إلى أوروبا للعلاج حفاظا على صورة المستعمر، بينما كان المرضى الجزائريون يعاملون باعتبارهم خطرا أمنيا أكثر منهم أشخاصا يحتاجون إلى الرعاية الصحية.
وتشير الوثائق التي اعتمد عليها الباحث إلى أن نسبة كبيرة من المرضى الجزائريين الذين جرى تحويلهم خارج البلاد لم يعودوا أحياء، ما جعل بعض المعاصرين يصفون تلك الرحلات بأنها “طريق بلا عودة”، في دلالة على حجم الإهمال والتمييز الذي كان يطبع السياسات الصحية الاستعمارية.
مستشفـى البليـدة.. الحجــر للتمييــز
ويتناول الكتاب أيضا ظروف إنشاء مستشفى البليدة للأمراض العقلية سنة 1938، والذي قدّم آنذاك باعتباره أحد رموز التقدم والحداثة في الجزائر المستعمرة، غير أن المؤلف يكشف أن هندسته المعمارية وتنظيمه الداخلي عكسا بصورة واضحة فلسفة التمييز الاستعماري، حيث صمّمت فضاءاته بطريقة تكرس الفصل بين الأوروبيين والجزائريين وتجعل الفوارق بينهما دائمة ومرئية، كما يتطرّق إلى عدد من الممارسات العلاجية المثيرة للجدل، موضحا أن بعض الوسائل، ومنها الصدمات الكهربائية، لم تستخدم دائما لأغراض علاجية، بل تحوّلت في بعض الحالات إلى وسيلة للضبط والعقاب داخل المؤسسة الاستشفائية.
فانـون أعـاد للمرضــى إنسانيتهـم
وفي فصل يعد من أبرز محطات الكتاب، يستعرض الدكتور حليتيم تجربة الطبيب والمفكر فرانتز فانون داخل مستشفى البليدة، حيث شكل حضوره قطيعة مع المقاربة الاستعمارية السائدة آنذاك.
فقد عمل فانون على إدخال إصلاحات غير مسبوقة داخل المؤسسة، تمثلت في فتح المسجد أمام المرضى، وإنشاء فضاءات اجتماعية وثقافية ورياضية، واستقدام الحكواتيين والموسيقيين، وتنظيم احتفالات دينية وشعبية، انطلاقا من قناعته بأن المريض لا يمكن أن يتعافى في بيئة تنكر هويته وكرامته، وأن المؤسسة نفسها كانت بحاجة إلى العلاج قبل أن تعالج من يقيمون فيها.
ويخلص المؤلف في خاتمة كتابه إلى أن آثار الطب النفسي الكولونيالي لم تختف مع الاستقلال، بل استمرت بأشكال جديدة، حيث تحولت التصنيفات العنصرية البيولوجية القديمة إلى أشكال أخرى من التراتبية الثقافية والاجتماعية، وانتقل موضوع الدراسة من “الأهالي” إلى “المهاجرين”.
كما يطرح تساؤلات حول قدرة الطب النفسي الجزائري على التحرّر الكامل من الإرث الاستعماري، في ظل استمرار حضور اللغة والمناهج الفرنسية في التكوين والبحث، داعيا إلى بناء قراءة جزائرية مستقلة لتاريخ الطب النفسي، تستند إلى التجربة الوطنية وتعيد الاعتبار للإنسان الجزائري بوصفه فاعلا في تاريخه لا مجرد موضوع للدراسة.






