بعد ساعات فقط من تصريح ترامب بأن مفاوضات إنهاء الحرب في مراحلها النهائية، وبعد نحو يومين من مواجهة محدودة بين إيران والكيان الصهيوني، عاد التوتر ليخيّم على الأجواء في منطقة الخليج والشرق الأوسط، التي شهدت مساء الثلاثاء وحتى صباح الأربعاء هجمات أمريكية ردّت عليها القوات الإيرانية.
جاءت الاشتباكات الجديدة بين الولايات المتحدة وإيران والتي تُعد الأعنف منذ سريان الهدنة الهشة في الثامن من أبريل الماضي، على خلفية اتهامات للأخيرة بإسقاط مروحية أمريكية فوق مضيق هرمز، وهو حادث لم تتبنّه القوات المسلحة الإيرانية، فضلاً عن أنها وصفته بأنه ذريعة واهية لشن هجمات على إيران.
بدأت هذه المواجهات بعدما تسربت إلى وسائل إعلام أمريكية، ظهر الثلاثاء، أنباء عن سقوط مروحية أمريكية متطورة من طراز أباتشي فوق مضيق هرمز، قبل أن تؤكد القيادة المركزية الأمريكية ذلك، وتشير إلى إنقاذ طاقم المروحية المكون من طيارين اثنين، من دون أن تعلن سبب السقوط، سواء كان خللاً فنياً أو هجوماً عليها.
مستعــــدون لكـــل الخيـــــارات
إلا أن تصريحات مفاجئة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مساء الثلاثاء، وجهت الأنظار إلى قرب وقوع مواجهة ساخنة جديدة في المنطقة، إذ أعلن في تدوينة على منصة «تروث سوشال» أن الجيش الأمريكي أبلغه بأن الإيرانيين هم الذين أسقطوا المروحية، التي وصفها بأنها «متطورة للغاية»، مؤكداً أنه «يتعين على الولايات المتحدة الرد، بحكم الضرورة، على هذا الهجوم».
في هذه الأجواء المتوترة، جاءت رسالة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، على منصة إكس، قائلاً: «إننا نفضل لغة الدبلوماسية لكننا نتحدث اللغات الأخرى بطلاقة أكثر»، مخاطباً الأمريكيين والصهاينة بالقول: «إذا خرقتم تعهداتكم، فسنلجأ إلى اللغة التي نتقنها أكثر. وستركبون الحصان نفسه الذي سرّجتموه».
ثم أعقبت ذلك تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، مساء الثلاثاء، التي جاءت رداً على تهديدات ترامب، وحذر فيها من أي «خطأ محتمل» في الخليج. ولم يتبن عراقجي مسؤولية بلاده عن إسقاط المروحية الأمريكية، لكنه أكد تعليقاً على الإعلان الأمريكي عن سقوط المروحية فوق هرمز، أن المضيق «ليس مياهاً دولية، بل مشترك بين إيران وسلطنة عمان»، بما يعني أنه لم يكن يحق للمروحية أن تحلق فوق المضيق. ثم قال إن القوات المسلحة الإيرانية «في حالة تأهب مستمرة للتصدي لأي خرق لأجواء إيران أو أراضيها أو مياهها»، داعياً الجانب الأمريكي إلى مغادرة المنطقة.
بدايــــة المواجهــــــات
في هذه الأثناء، ووسط استعدادات عسكرية أمريكية متزايدة لوحظت في المنطقة، كانت الأنظار في العالم متوجهة إلى «ساعة الصفر» لبدء الهجمات الأمريكية على إيران، فأعلنت القيادة المركزية الأمريكية، منتصف الليلة ما قبل الماضية، بدء شن ضربات قالت إنها دفاعاً عن النفس ضد إيران، رداً على إسقاط مروحية أباتشي.
بعد بدء الضربات الأمريكية، توجهت الأنظار إلى مواقع الاستهداف داخل إيران وطبيعتها، وذكرت قناة «سي بي إس نيوز» الأمريكية، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، أنها تضمنت مواقع رادار. وهو ما حدث أيضاً في الهجمات الصهيونية على إيران يوم الاثنين الماضي، حيث تركزت على أجهزة الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي. ثم أوردت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية أن الغارات الأمريكية استهدفت قواعد ومنشآت رادار ومدفعية في خمسة مواقع على السواحل الجنوبية الإيرانية.
ردّ إيــــــرانـــــــي
وبينما أورد الطرف الأمريكي استهداف 20 موقعاً في غاراته على إيران، أعلنت القوات المسلحة الإيرانية، استهداف قواعد ومنشآت تابعة للولايات المتحدة في الكويت والبحرين والأردن بالصواريخ والطائرات المسيرة.
وجدّدت الخارجية الإيرانية تأكيدها لما قالت «المسؤولية القانونية والأخلاقية الملقاة على عاتق دول المنطقة، وخاصة دول الضفة الجنوبية للخليج، لمنع أي استخدام من قبل الجيشين الأمريكي والصهيوني لأراضيها وإمكاناتها في تخطيط أي أعمال عدوانية ضد إيران أو تنظيمها أو تنفيذها أو دعمها». وحذرت من أن إيران لن تتوانى عن ممارسة حقها الذاتي في الدفاع عن النفس، بما في ذلك استهداف منطلق الهجمات والقواعد والمرافق اللوجستية التي تُستخدم في العمليات العدائية ضدها».
الدبلوماسيــــة تضـــرّرت
هذا، وقد اتهمت وزارة الخارجية الإيرانية أمس الولايات المتحدة بإلحاق ضرر بالجهود الدبلوماسية الجارية لإنهاء الحرب.
وقال المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي في مقطع فيديو بثته وسائل الإعلام الإيرانية: «للأسف، تلحق الولايات المتحدة ضررا بهذه العملية الدبلوماسية من خلال رسائلها المتناقضة، وتغييراتها المتكررة في المواقف والمطالب، والأسوأ من ذلك كله، من خلال انتهاكاتها المتكررة لوقف إطلاق النار».
وأضاف: «أي عملية دبلوماسية تتضرر باستخدام القوة واللجوء إلى أعمال غير قانونية على الأرض».
واعتبر أن الكيان الصهيوني يُضر بالعملية أيضا من خلال الانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار في لبنان. وقال: «بعد ما حدث خلال الليل، نحتاج إلى إعادة تقييم المسار الدبلوماسي مع واشنطن… أي عملية دبلوماسية تتطلب حدا أدنى من الاستقرار».
وكانت شبكة «سي أن أن» نقلت عن مسؤول أمريكي قوله واشنطن لا تعتقد أن هذه الضربات ستعرقل المفاوضات الجارية لإنهاء الحرب مع إيران. وأورد موقع بوليتيكو الإخباري عن مسؤول رفيع في البيت الأبيض قوله إنّ ترامب ما زال يرى أن اتفاق سلام مع طهران في الأفق، رغم الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على إيران.


