الخبـــير رمضاني لـــــ “الشعب”: تطــوّر في أساليـــب التّقييــم وتركيــز علــى الكفـــاءات
انتهت أول أمس الخميس امتحانات شهادة البكالوريا دورة 2026 بعد خمسة أيام من الاختبارات التي جرت عبر مختلف مراكز الإجراء في أجواء تنظيمية اتسمت بالهدوء والانضباط. ومع انتهاء هذا الموعد التربوي الهام، بدأت تتضح الصورة العامة للمواضيع التي عالجها المترشحون في مختلف الشعب، وسط انطباعات أولية تشير إلى أن الامتحانات جاءت في مجملها متوازنة ومنسجمة مع البرامج الرسمية المعتمدة، مع تركيز واضح على تقييم قدرات التلميذ على الفهم والتحليل واستثمار المعارف المكتسبة خلال السنة الدراسية.
أجمعت العديد من الآراء المسجلة في أوساط المترشحين والأساتذة والمتابعين للشأن التربوي، على أن مواضيع هذه الدورة حافظت على ارتباطها بالمقرر الدراسي، ولم تتضمن أسئلة خارجة عن الدروس التي تلقاها التلاميذ داخل الأقسام. كما عكست رغبة في تحقيق التوازن بين مختلف المستويات، بما يسمح للتلميذ المتوسط بالإجابة على جزء معتبر من الأسئلة، وفي الوقت نفسه يمنح التلميذ المتفوق فرصة إبراز إمكاناته العلمية والمعرفية.
وتؤكد القراءة الأولية لمختلف المواضيع، أن الامتحانات لم تعد تعتمد بالدرجة الأولى على استرجاع المعلومات وحفظها، بل أصبحت تراهن بشكل متزايد على توظيف المعارف في سياقات مختلفة. فقد تضمنت العديد من الأسئلة عناصر تستوجب الفهم الجيد للدروس، والقدرة على الربط بين المفاهيم وتحليل المعطيات واستنتاج النتائج، وهو توجه ينسجم مع الإصلاحات التي عرفتها المنظومة التربوية خلال السنوات الأخيرة.
كما تميّزت الأسئلة بالوضوح والدقة في الصياغة، حيث جاءت التعليمات مباشرة ومفهومة، الأمر الذي ساعد المترشحين على التركيز على مضمون الإجابة بدل الانشغال بفهم المطلوب. ويعد هذا الجانب من بين أهم المؤشرات التي تساهم في تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين، لأنه يضمن أن يكون التقييم قائما على المعارف والكفاءات الفعلية للتلميذ، وليس على قدرته على تأويل السؤال أو فهم المقصود منه.
وفي الوقت نفسه، راعت المواضيع الفروقات الفردية بين التلاميذ من خلال التدرج في مستوى الصعوبة. فقد تضمنت أسئلة أساسية تسمح بقياس الحد الأدنى من المكتسبات، إلى جانب أسئلة أخرى تتطلب مستويات أعلى من التحليل والتركيب والاستنتاج. ومثل هذا التدرج يمنح الامتحان طابعه التقييمي الحقيقي، لأنه يسمح بتمييز مستويات الأداء المختلفة وإبراز الفوارق العلمية بين المترشحين.
ويرى المهتم بالشأن التربوي يوسف رمضاني، أن مواضيع شهادة البكالوريا دورة 2026 جاءت في مجملها متوازنة ومنصفة، وعكست توجها واضحا نحو تقييم الكفاءات الحقيقية للمترشحين بدل الاكتفاء بقياس قدرتهم على الحفظ والاسترجاع. وأوضح أن مختلف الاختبارات حافظت على ارتباطها بالبرامج الرسمية المعتمدة، كما راعت المستوى العام للتلاميذ وظروف التمدرس، وهو ما ساهم في توفير مناخ من الثقة والاطمئنان لدى غالبية المترشحين.
وأضاف أن الملاحظة الأبرز خلال هذه الدورة تتمثل في استمرار اعتماد أسئلة تقوم على الفهم والتحليل والتوظيف، حيث أصبح التلميذ مطالبا باستثمار معارفه في وضعيات متنوعة، وإبراز قدرته على الربط والاستنتاج ومعالجة الإشكاليات المطروحة، وهو ما يتماشى مع فلسفة الإصلاحات التربوية الحديثة التي تركز على بناء الكفاءات وتنمية القدرات الفكرية والمنهجية للمتعلمين.
وأشار إلى أنّ العديد من المواضيع تضمّنت أسئلة متدرجة من حيث الصعوبة، ما سمح بمراعاة الفروقات الفردية بين المترشحين، ومنح الفرصة لكل فئة لإبراز مستواها الحقيقي. فالتلميذ الذي تابع دراسته بانتظام واستوعب الدروس وأحسن استثمار فترة المراجعة وجد المجال المناسب للتعبير عن قدراته، وتحقيق نتائج تتناسب مع المجهود الذي بذله طيلة السنة الدراسية.
وأكّد يوسف رمضاني أن الامتحانات الحالية أصبحت أكثر انسجاما مع متطلبات التعليم العالي مقارنة بما كان معمولا به في السابق، إذ لم تعد المعرفة المدرسية هدفا في حد ذاتها، بل أصبحت وسيلة لقياس مهارات الفهم والتحليل والتفسير والاستنتاج، واتخاذ المواقف المناسبة تجاه مختلف الوضعيات العلمية والفكرية. وهذه المهارات تعد من الركائز الأساسية التي يحتاجها الطالب خلال مساره الجامعي وفي حياته المهنية مستقبلا.كما اعتبر أن نجاح المنظومة التربوية لا يقاس فقط بنسبة النجاح في الامتحانات، وإنما بمدى قدرة المدرسة على تكوين متعلم يمتلك أدوات التفكير السليم، والقدرة على البحث والتعلم الذاتي ومواجهة التحديات المختلفة. ومن هذا المنطلق، فإن التطور الذي تشهده مواضيع البكالوريا في السنوات الأخيرة يمثل خطوة إيجابية نحو ترسيخ ثقافة الكفاءة والاستحقاق والابتعاد تدريجيا عن الأساليب التقليدية التي تعتمد على التلقين والحفظ.
ولفت إلى أن دورة 2026 شكلت محطة جديدة في مسار تطوير الامتحانات الوطنية، حيث نجحت إلى حد كبير في تحقيق التوازن بين قياس المعارف الأكاديمية، وتقييم الكفاءات المنهجية والفكرية للمترشحين. كما أبرزت التحول التدريجي الذي تشهده المدرسة الجزائرية نحو اعتماد أساليب تقييم أكثر ارتباطا بمتطلبات التعليم العالي والتحولات العلمية والتكنولوجية المتسارعة.
وتبقى النتائج الرسمية المرتقبة خلال الأسابيع المقبلة – حسب رمضاني – الفيصل الحقيقي في تقييم مردود هذه الدورة، غير أن الانطباعات الأولية المسجلة بعد انتهاء الامتحانات توحي بأن مواضيع البكالوريا لهذا العام وفرت شروطا مناسبة لتقييم مستوى المترشحين بصورة موضوعية وعادلة، ومنحت التلميذ المجتهد فرصة حقيقية لإبراز قدراته ومكتسباته العلمية، بما يعزز مكانة شهادة البكالوريا كأحد أهم المواعيد التربوية في الجزائر.


