لا تمثل الزيارات المتكررة للمسؤولين الأفارقة إلى الجزائر مجرد نشاط دبلوماسي عابر، وإنما تعكس اعترافاً متزايداً بالدور الذي أصبحت تؤديه الجزائر في صياغة مستقبل الطاقة بإفريقيا، بعد أن تحولت من قوة منتجة إلى شريك استراتيجي يسهم في رسم ملامح المستقبل الطاقوي للقارة.
أكد المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، عبد الرحمان هادف، في حديث لـ»الشعب»، أن الجزائر تفرض نفسها بشكل متزايد فاعلاً محورياً في المشهد الطاقوي الإفريقي، بحكم مكانتها كأحد أكبر منتجي ومصدري الغاز الطبيعي في القارة، وبفضل الخبرة التي راكمتها على مدى عقود في تطوير الصناعات النفطية والغازية والكهربائية، فضلاً عن قدرتها على توظيف هذه الخبرة لخدمة مشاريع التعاون والتكامل الإفريقي.
وأوضح أن العالم يشهد تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة، تترافق مع اشتداد المنافسة الدولية على مصادر الطاقة والموارد الاستراتيجية، ما جعل إفريقيا إحدى أهم ساحات التنافس والتعاون في آن واحد، بالنظر إلى ما تزخر به من احتياطات معتبرة من النفط والغاز والمعادن الحيوية، إضافة إلى إمكانات واعدة في مجال الطاقات المتجددة، التي أصبحت عنصراً أساسياً في معادلات الأمن الطاقوي العالمي والتنمية المستدامة.
وفي ظل هذه المتغيرات، تواصل الجزائر تعزيز حضورها في الساحة الطاقوية الإفريقية، مستندة إلى خبرة واسعة ومؤسسات وطنية قوية، ما جعلها شريكاً مفضلاً للعديد من الدول الإفريقية الساعية إلى تطوير قدراتها في هذا المجال. وأشار هادف إلى أن أجندة اللقاءات الرسمية خلال الأشهر الأخيرة تعكس هذا التوجه، من خلال التوافد المتواصل لوزراء الطاقة والمحروقات والمسؤولين التنفيذيين بالشركات الوطنية الإفريقية إلى الجزائر، التي أصبحت محطة رئيسية للحوار والتشاور بشأن مستقبل الطاقة في القارة.
وأضاف المتحدث أن هذه الزيارات تعكس الثقة المتزايدة التي تحظى بها الجزائر كشريك موثوق يمتلك الخبرة والكفاءة والقدرة على مرافقة الدول الإفريقية في تطوير قطاعاتها الطاقوية ومواجهة تحديات الأمن الطاقوي والتنمية الاقتصادية، مشيرا إلى أن هذا الحراك يرتبط أيضاً بالتحولات العميقة التي تعرفها القارة الإفريقية، التي أصبحت فضاءً استراتيجياً تتنافس فيه القوى الكبرى لتأمين احتياجاتها من الطاقة والمعادن النادرة والموارد المرتبطة بالتحول نحو الاقتصاد الأخضر.
في هذا السياق، أكد هادف أن الجزائر تتمتع بموقع متميز بفضل تجربتها المتكاملة في إدارة وتطوير قطاع الطاقة، إلى جانب امتلاكها مؤسسات وطنية رائدة أصبحت مرجعاً إفريقياً في مجالات النفط والغاز والكهرباء والطاقات المتجددة، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بالتجربة الجزائرية في مجالات الاستكشاف والإنتاج وتطوير البنى التحتية الطاقوية وتكوين الكفاءات ونقل التكنولوجيا.
سوناطراك وسونلغاز.. حضور إفريقي
وشدد هادف على أن الحديث عن الدور الجزائري في إفريقيا يقتضي التوقف عند المكانة التي باتت تحتلها المؤسسات الوطنية الكبرى، وعلى رأسها سوناطراك وسونلغاز، اللتان تحولتا خلال السنوات الأخيرة إلى أدوات استراتيجية لتعزيز الحضور الاقتصادي الجزائري في القارة، موضحا أن سوناطراك تعد من أكبر الشركات الطاقوية في إفريقيا، وقد وسعت نطاق خبرتها ليشمل مختلف حلقات سلسلة القيمة، من الاستكشاف والحفر والإنتاج إلى النقل والتكرير والبتروكيمياء والهندسة الطاقوية، ما جعلها محل اهتمام متزايد من قبل الدول الإفريقية الراغبة في تثمين مواردها الطبيعية محلياً وتعزيز مردودها الاقتصادي.
أما سونلغاز، فقد نجحت، حسب المتحدث، في بناء تجربة رائدة في إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء والغاز، وأصبحت من أبرز الشركات الإفريقية القادرة على مرافقة الدول الشقيقة في تطوير الشبكات الكهربائية وإنجاز الدراسات الهندسية وتكوين الكفاءات وتصدير المعدات والخدمات التقنية، وأضاف أن الشركة تؤدي دوراً متنامياً في مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي، التي تعد من أهم محركات التكامل الاقتصادي الإفريقي خلال السنوات المقبلة.
وأشار هادف إلى أن مساهمة هذه المؤسسات تتجاوز الجوانب التجارية والاستثمارية لتشمل نقل المعرفة والخبرة وبناء القدرات البشرية، حيث استفاد مئات الإطارات والمهندسين الأفارقة من برامج التكوين والتأهيل التي توفرها المؤسسات الجزائرية، ما عزز صورة الجزائر كشريك تنموي حقيقي يضع التعاون وتبادل الخبرات في صميم علاقاته مع الدول الإفريقية.
الانتقال نحو دبلوماسية طاقوية جديدة
وأكد هادف أن هذه الديناميكية تكتسب أهمية أكبر في ظل التحولات المرتبطة بالانتقال الطاقوي العالمي، موضحاً أن الجزائر تعمل على ترسيخ مكانتها كفاعل رئيسي في اقتصاد الطاقة المستقبلية من خلال تطوير مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر. وذكّر في هذا الإطار بالبرنامج الوطني لتطوير الطاقات المتجددة بقدرة تصل إلى 15 جيغاواط، والذي تمثل مرحلته الأولى، بقدرة 3200 ميغاواط من الطاقة الشمسية، أحد أكبر المشاريع الطاقوية في القارة.
كما أشار محدثنا إلى الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين الأخضر التي تستهدف إنتاج أكثر من 40 تيراواط/ساعة سنوياً على المدى الطويل، إلى جانب الانخراط في مشاريع استراتيجية موجهة نحو السوق الأوروبية، على غرار مشروع الممر الجنوبي للهيدروجين الأخضر ومبادرة «T-MED».
ومن هذا المنطلق، أوضح هادف أن الجزائر انتقلت تدريجياً من دبلوماسية الطاقة التقليدية المرتكزة على تصدير النفط والغاز إلى دبلوماسية أكثر شمولاً تقوم على تطوير البنى التحتية الطاقوية ونقل التكنولوجيا وتكوين الموارد البشرية ودعم مشاريع الربط والتكامل القاري، وهو تحول يعزز مكانتها كشريك استراتيجي للدول الإفريقية في مرحلة تتطلب استثمارات كبيرة وخبرات متخصصة لمواجهة تحديات التنمية والانتقال الطاقوي.
كما أشار هادف إلى أن الجزائر، رغم التحديات الاقتصادية والتنموية التي تواجهها داخلياً، تواصل تعزيز حضورها الإفريقي وإطلاق مبادرات للتعاون والشراكة في مختلف المجالات، انطلاقاً من قناعة استراتيجية مفادها أن مستقبلها الاقتصادي يرتبط بعمقها الإفريقي، وأن بناء فضاء اقتصادي متكامل في القارة يمثل فرصة مشتركة لجميع الدول الإفريقية.
وفي هذا السياق، ذكّر بالمشاريع الهيكلية الكبرى التي تدعمها الجزائر، وفي مقدمتها مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يهدف إلى ربط احتياطات الغاز في غرب إفريقيا بالأسواق الأوروبية عبر الجزائر، إلى جانب مشروع الطريق العابر للصحراء، الذي يشكل أحد أهم الممرات الاقتصادية الواعدة بين شمال القارة وعمقها الإفريقي، فضلاً عن مشاريع الربط الكهربائي ومبادرات التعاون في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.
واعتبر المتحدث أن هذه المعطيات تؤكد أن الجزائر تمضي نحو ترسيخ مكانتها كقطب إقليمي للطاقة والتنمية الاقتصادية في إفريقيا، مشيراً إلى أن الريادة أصبحت تقاس بمدى القدرة على التأثير وصناعة المبادرات وتقديم الحلول وبناء الشراكات الاستراتيجية طويلة المدى.


