شهادة ثقة دولية في سلامة المنظومة المالية الوطنية
إشادة واسعة لما تضمنه الملف من إجراءات إصلاحية وحجج قوية
مواءمة المنظومة الوطنية مـــع المعايير الدوليــة في مجالات الشفافية المالية
عامـل إضافي لاستقطـاب رؤوس الأمــوال الأجنبيـة وتسهيـل تمويــل المشاريـع الكـبرى
أعلنت مجموعة العمل المالي (GAFI)، أول أمس، سحب الجزائر من القائمة الرمادية، خلال اجتماع منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية المنعقد بالعاصمة الفرنسية باريس، حيث حظي الملف الجزائري بإشادة واسعة لما تضمنه من إجراءات إصلاحية وحجج قوية، جرى تنفيذها خلال سنة ونصف لتصحيح الثغرات التي كانت وراء إدراج الجزائر ضمن هذه القائمة سنة 2024.
يُعد القرار تتويجًا لمسار الإصلاحات التنظيمية والتشريعية والمؤسساتية التي باشرتها الجزائر، تحت القيادة الرشيدة لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بهدف مواءمة المنظومة المالية الوطنية مع المعايير الدولية المعتمدة في مجالات الشفافية المالية ومكافحة الجرائم الاقتصادية.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور هواري تيغرسي، في تصريح لـ»الشعب»، أن خروج الجزائر من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي شكّل رهانًا سياديًا يعكس إرادة الدولة في تعزيز منظومتها المالية وترسيخ ثقة الشركاء الدوليين في اقتصادها، بعدما أدرج هذا الملف ضمن أولويات الإصلاح الاقتصادي والمالي التي أقرها رئيس الجمهورية منذ توليه قيادة البلاد.
وأضاف أن الدولة العصرية تتميز بوضوح وشفافية حساباتها المالية والاقتصادية، وهو ما جسدته الجزائر من خلال ورشة إصلاح شاملة استهدفت تحديث المنظومة المالية والقانونية وتعزيز آليات الرقابة والشفافية. وأكد أن الجزائر نجحت اليوم في بلوغ هذا الهدف بعد رفع اسمها من القائمة الرمادية، إثر مسار تقييم ومتابعة أثبتت خلاله التزامها الكامل بالمعايير الدولية الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
وأكد تيغرسي أن هذا القرار يحمل أبعادًا استراتيجية، كونه يمثل اعترافًا دوليًا بنجاعة الإصلاحات التي باشرتها الجزائر في فترة وجيزة، ويعكس قدرة مؤسسات الدولة على الاستجابة للتوصيات الدولية ومعالجة النقائص التي كانت سببًا في إدراجها ضمن القائمة الرمادية سنة 2024.
وأشار إلى أن خروج الجزائر من القائمة الرمادية يبعث برسالة ثقة قوية إلى المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين الأجانب، بعدما أثبتت امتلاكها منظومة مالية أكثر شفافية وفعالية، وهو ما من شأنه تعزيز جاذبية البلاد للاستثمار، وتسهيل المبادلات المالية والتجارية مع مختلف الشركاء، وترسيخ مكانة الجزائر كشريك اقتصادي موثوق وقوة إقليمية صاعدة.
انفتاح اقتصادي وثقة استثمارية
وفي قراءة تحليلية لقرار «غافي»، يرى تيغرسي أن خروج الجزائر من القائمة الرمادية لا يمثل مجرد إنجاز تقني أو قانوني، وإنما يعد شهادة ثقة دولية في سلامة المنظومة المالية الوطنية، ويفتح أمام الاقتصاد الجزائري مرحلة جديدة من الاندماج المالي والاستثماري، بما يسهم في تحسين صورة الجزائر لدى المستثمرين الأجانب.
وأضاف أن إزالة اسم الجزائر من القائمة الرمادية تعني انخفاض درجة المخاطر المرتبطة بالسوق الجزائرية، وهو ما يمنح المستثمرين والبنوك الأجنبية ثقة أكبر في التعامل مع المؤسسات الجزائرية، إلى جانب خفض تكلفة المعاملات والتحويلات المالية. وأوضح أن البنوك الأجنبية كانت، خلال فترة الإدراج، تفرض إجراءات تدقيق إضافية على العمليات المرتبطة بالجزائر، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع تكاليف التحويلات والتجارة الخارجية، في حين يُتوقع بعد هذا القرار أن تصبح المعاملات البنكية أكثر سرعة وأقل تكلفة.
وفي السياق ذاته، أشار تيغرسي إلى أن هذا القرار سيعزز جاذبية الاستثمار الأجنبي المباشر، خاصة أنه يتزامن مع إصلاحات هيكلية يشهدها الاقتصاد الوطني، من بينها استحداث الشباك الوحيد للاستثمار ورقمنة الإجراءات، وفق ما تضمنته النصوص التطبيقية لقانون الاستثمار 22-18. كما تطرق إلى الإصلاحات التي عرفها القطاع البنكي من خلال القانون النقدي والمصرفي الجديد، مؤكدا أن خروج الجزائر من القائمة الرمادية يشكل عاملًا إضافيًا لاستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية وتسهيل تمويل المشاريع الكبرى.
آفاق شراكات عالمية وضمانات أقوى
وأكد الخبير الاقتصادي أن تحسن تصنيف المخاطر المالية للجزائر سيسهم في تسهيل الحصول على التمويلات الدولية، من خلال تحسين شروط الاقتراض بالنسبة للمؤسسات الاقتصادية، وتعزيز فرص الشراكة مع البنوك والمؤسسات المالية العالمية.
وفيما يتعلق بدعم الصادرات خارج المحروقات، وهو أحد المحاور الأساسية في الاستراتيجية الاقتصادية التي أقرها رئيس الجمهورية، توقع تيغرسي أن يستفيد المتعاملون الاقتصاديون الجزائريون من علاقات مصرفية أكثر مرونة مع الخارج، بما يسهل عمليات التصدير والدفع والتحصيل، ويدعم التسهيلات والتحفيزات التي توفرها الدولة عبر مختلف القطاعات والهيئات، إلى جانب توسيع صلاحيات وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، بما يعزز مرافقة المتعامل الاقتصادي الجزائري الذي أثبت قدرته على تقديم منتج وطني يستجيب لمعايير الجودة والمطابقة العالمية.
وعلى الصعيد الإقليمي، أوضح تيغرسي أن قرار مجموعة العمل المالي سيعزز مكانة الجزائر في إفريقيا وحوض المتوسط كشريك اقتصادي ومالي موثوق، خاصة في ظل سعيها إلى التحول إلى منصة تجارية ولوجستية نحو القارة الإفريقية.
وأضاف أن الجزائر انتقلت اليوم من مرحلة الإصلاحات إلى مرحلة الاستدامة، وهي المرحلة التي تمثل التحدي الحقيقي، إذ تقوم على الحفاظ على المعايير الدولية، ومواصلة مسار الرقمنة وتعزيز الشفافية، ومكافحة الاقتصاد الموازي، إلى جانب توسيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني وتحسين الحوكمة المالية.
وختم تيغرسي بالتأكيد على أن تزامن هذا الإنجاز مع استمرار الإصلاحات الاقتصادية والمصرفية يمهد لدخول الجزائر، خلال السنوات المقبلة، مرحلة جديدة عنوانها: «اقتصاد يحظى بثقة الأسواق العالمية ويعزز حضوره في المنظومة المالية الدولية».


