قبل أيام قليلة من رحيلها، وقفت والدة الأسير جمال الهور خلف شبك الزيارة، تنظر إلى ابنها الذي أمضى سنوات طويلة في السجون الصهيونية، وقالت له كلمات لم تغادر ذاكرته حتى اليوم: “لن أراك بعد يومي هذا”.
لم يكن جمال يصدق أن تلك الزيارة ستكون الأخيرة، كانت الأم التي انتظرت سنوات طويلة أن ترى ابنها حرًا، تودعه للمرة الأخيرة وهي تحمل في قلبها أملاً ظل يرافقها حتى أيامها الأخيرة، قبل أن ترحل عام 2013، تاركة خلفها ابنًا سيواصل حمل ذكراها داخل الزنزانة كما يحمل سنوات عمره التي تآكلت خلف القضبان.
اليوم، وبعد ما يقارب ثلاثة عقود من الاعتقال، لا يُعرف جمال عبد الفتاح الهور فقط بصفته أسيرًا محكومًا بخمسة مؤبدات وثمانية عشر عامًا، بل بوصفه واحدًا من أبرز قادة الحركة الأسيرة الفلسطينية، وأحد الأسرى الذين حوّلوا سنوات السجن الطويلة إلى رحلة من التعليم والكتابة والصمود.
مــــــن صوريــــــف إلى طريــــــق المقاومــــــة
وُلد جمال عبد الفتاح صبيح الهور في الرابع والعشرين من ماي عام 1974، في بلدة صوريف شمال محافظة الخليل.
نشأ في أسرة فلسطينية بسيطة، وفقد والده في سن مبكرة، الأمر الذي وضع والدته أمام مسؤولية تربية أبنائها ورعايتهم في ظروف صعبة. وفي تلك البيئة الريفية المحافظة تشكلت شخصيته الأولى، بين المدرسة والمسجد والحياة الاجتماعية التي كانت تعيشها البلدة في سنوات الاحتلال.
أنهى تعليمه المدرسي بين مدارس صوريف والمدرسة الشرعية في الخليل، وعُرف بين أقرانه بحبه للعلم والنشاط الاجتماعي والدعوي.
ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى أواخر الثمانينيات، كان الهور واحدًا من أبناء جيله الذين انخرطوا مبكرًا في النشاط الوطني، قبل أن يلتحق مطلع التسعينيات بحركة حماس، ثم ينضم عام 1993 إلى كتائب القسام، وفق مؤسسات الأسرى الفلسطينية.
وخلال سنوات المطاردة، شارك في العمل التنظيمي والعسكري، كما ساهم في إيواء عدد من المطاردين، قبل أن يصبح أحد أبرز أعضاء ما عُرف لاحقًا بـ “خلية صوريف”، التي برز اسمها خلال تسعينيات القرن الماضي.
اعتقــــــالات متكــــــرّرة ونهايــــــة المطــــــاردة
لم تبدأ علاقة جمال الهور مع السجون عام 1997، فبحسب هيئة شؤون الأسرى ومؤسسات الأسرى الفلسطينية، تعرض للاعتقال للمرة الأولى عام 1992، ثم أعيد اعتقاله عام 1993، قبل أن يدخل في مرحلة طويلة من الملاحقة الأمنية.
وفي نوفمبر 1997 انتهت سنوات المطاردة باعتقاله، لينتقل مباشرة إلى واحدة من أقسى مراحل حياته.
أمضى أربعة أشهر متواصلة في التحقيق، تعرض خلالها لتحقيق قاسٍ وطويل، قبل أن تصدر المحكمة الصهيونية بحقه حكمًا بالسجن خمس مؤبدات
إضافة إلى ثمانية عشر عامًا. كان عمره آنذاك ثلاثة وعشرين عامًا فقط. ومنذ ذلك اليوم، لم يعرف الحرية مجددًا.
حــــــين تحــــــوّل السّجــــــن إلــــــى مدرســــــة
كان يمكن أن تتحول السنوات الطويلة إلى مجرد انتظار ثقيل، لكن جمال الهور اختار طريقًا مختلفًا. فوفق هيئة شؤون الأسرى ومؤسسات الحركة الأسيرة، برز الهور خلال سنوات اعتقاله كأحد قادة الحركة الأسيرة، وأصبح عضوًا في الهيئة القيادية العليا لأسرى حركة حماس، كما تولى مسؤوليات تنظيمية داخل عدد من السجون، وكان من بين الأسرى الذين شاركوا في قيادة وإدارة معارك الحركة الأسيرة المختلفة.
وخلال إضراب الكرامة عام 2012، لعب دورًا بارزًا ضمن الجهود التنظيمية التي قادها الأسرى دفاعًا عن حقوقهم وظروفهم الاعتقالية. لكن السجن لم يصنع منه قائدًا فقط، بل صنع منه أيضًا طالب علم وكاتبًا.
فداخل الزنازين حصل على دبلوم في التربية الاجتماعية، ثم نال درجة البكالوريوس في التاريخ من جامعة الأقصى، كما أتم حفظ القرآن الكريم كاملًا وحصل على السند برواية حفص عن عاصم.
وفي الوقت الذي كان الاحتلال يحاول فيه تحويل السجن إلى مساحة للعزل والإقصاء، كان الهور يحوّل الزنزانة إلى قاعة دراسة ومكتبة ومكان للكتابة.
وأصدر خلال سنوات الأسر عدة أعمال أدبية، من بينها روايات ومجموعات قصصية، أبرزها “أعواد البرتقال”، و«جمرات من عنب”، و«كوني أنت”، و«نقاط وحروف”.
الوجــــــع الــــــذي لا يــــــراه أحــــــد
في حياة الأسرى محطات لا تظهر في ملفات المحاكم ولا في بيانات الأحكام، بالنسبة لجمال الهور، كانت وفاة والدته واحدة من أكثر تلك المحطات قسوة.
يروي الهور، وفق ما نشرته مؤسسة صابرون المختصة بشؤون الأسرى، أن والدته كانت تنتظر حريته كما تنتظر الأم عودة ابنها من سفر طويل.
وكانت تعتقد أن صفقة “وفاء الأحرار” قد تكون بوابة خروجه إلى الحرية. وقبل وفاتها بأيام قليلة، وخلال زيارة أخيرة، قالت له: “لن أراك بعد يومي هذا”.
يتذكر الهور أن الدموع ملأت عينيها وهي تنظر إليه من خلف الزجاج، قبل أن تغادر وهي تحمل شعورًا بأن اللقاء الأخير قد اقترب.
وفي الخامس من يناير 2013 رحلت والدته بعد صراع طويل مع المرض، قبل شهر واحد فقط من موعد كان يأمل فيه أن يكون بداية حريته. ويستذكر الهور سؤالها الأخير له حين قالت: “يمّه.. عمر عواد بعود للدار؟”، في إشارة إلى الأسير عمر عواد الذي كان مرشحًا للإفراج عنه. أجابها يومها بأن الأسرى سيعودون، لكنها رحلت قبل أن ترى ذلك اليوم، لم يتمكن من وداعها، ولم يشارك في جنازتها، وبقي يحمل صورتها ووصيتها وذكراها معه إلى زنزانته.
استبعــــــاد متكــــــرّر مــــــن الحريّــــــة
خلال سنوات الأسر الطويلة، كان اسم جمال الهور حاضرًا في أحاديث الأسرى وعائلاتهم كلما طُرحت صفقات تبادل جديدة.
لكن الحرية كانت تمر من أمامه في كل مرة، فبحسب مؤسسة صابرون ومؤسسات الأسرى الفلسطينية، يُعد الهور من بين الأسرى القدامى الذين استُبعدت أسماؤهم من أكثر من صفقة تبادل، بما في ذلك صفقة ،وفاء الأحرار، وصفقة ،طوفان الأحرار،، رغم أنه أمضى ما يزيد على ثمانية وعشرين عامًا داخل السجون الصهيونية.
وبينما خرج كثيرون إلى الحرية، بقي هو ينتظر دوره الذي لم يأتِ بعد.
لـم تتوقّـــف معانــاة الهـــور عنـد سنــــــــوات الحكـــم الطّويلـــة
ففي الأشهر الأخيرة كشفت مؤسسة صابرون وهيئة شؤون الأسرى عن تعرضه لسلسلة من الإجراءات العقابية، كان أبرزها نقله من عزل سجن مجدو إلى عزل سجن جانوت.
كما أكدت المؤسسات الحقوقية أن وضعه الصحي شهد تدهورًا خطيرًا بعد السابع من أكتوبر 2023. وبحسب مؤسسة صابرون، فقد الأسير أكثر من خمسة وثلاثين كيلوغرامًا من وزنه نتيجة سياسة التجويع والإهمال الطبي المتعمد. كما يواجه ظروفًا صحية صعبة وسط استمرار العزل والتنقل بين السجون. ولم تتوقف الضغوط عند ذلك، إذ أدرج اسمه ضمن الأسرى الذين قُطعت رواتبهم رغم قضائه ما يقارب ثلاثة عقود داخل السجون.
ســــــيرة أطــــــول من السّجــــــن
حين اعتُقل جمال الهور عام 1997 كان شابًا في الثالثة والعشرين من عمره. اليوم تجاوز الخمسين، كبر أبناؤه، ورحلت والدته، وتبدلت حكومات، وحروب، واتفاقات، وصفقات. أما هو فما زال خلف القضبان، لكن سنوات الأسر الطويلة لم تحوّله إلى مجرد رقم في سجلات السجون.
فداخل الزنزانة عاش القائد، والكاتب، وحافظ القرآن، والطالب، والابن الذي فقد والدته دون وداع، والأسير الذي مرت أمامه فرص الحرية أكثر من مرة دون أن تفتح له الأبواب.
بعد ما يقارب ثلاثة عقود من الاعتقال، تبدو قصة جمال الهور أكثر من مجرد حكاية أسير محكوم بالمؤبدات.
إنّها قصة جيل كامل من الأسرى الذين حاول الاحتلال أن يحبس أعمارهم خلف الجدران، لكنهم نجحوا في تحويل سنوات السجن إلى مساحة للصمود والمعرفة والحفاظ على الهوية. وبين انتظار الحرية وفقد الأحبة وتراكم السنوات، يواصل الهور كتابة فصول حكايته من داخل الزنزانة، شاهدًا على تجربة إنسانية ووطنية طويلة لم تنتهِ بعد، وعلى إرادة بقيت عصية على الانكسار رغم كل ما مرّ بها من محن وعزلة وحرمان.






