مترشّحـون يكثّفــــون حضـــورهم ويراهنـون علـى النشـــاط الجـواري
دخلت الحملة الانتخابية الخاصة بتشريعيات الثاني من جويلية مرحلتها الحاسمة، مع اقتراب موعد الاقتراع بعد خمسة عشر يوما من انطلاقها، في أجواء اتّسمت بزخم ديمقراطي وحيوية سياسية عكستا تنوّع الرؤى وتعدّد المقاربات، التي اعتمدتها الأحزاب السياسية والقوائم الحرّة لاستقطاب الناخبين.
رفعت التشكيلات الحزبية شعار «برلمان الكفاءات»، في حين اختار المترشّحون الأحرار تكثيف حضورهم الميداني والرهان على المقاربة الجوارية.
واتّسمت هذه المرحلة بتكثيف الخطاب السياسي وتنوّع الاستراتيجيات الانتخابية، في مشهد عكس حيوية التنافس على مقاعد المجلس الشعبي الوطني، ورسّخ حضورا لافتا للبرامج والرؤى التنموية في صلب النقاش العام. كما أبرزت الحملة توجّها متزايدا نحو ترسيخ ثقافة سياسية تقوم على المشاريع الواقعية والالتزام بالبرامج، بما يعزّز مكانة التنافس الديمقراطي ويمنح الناخب فرصة أوسع للمفاضلة بين الخيارات المطروحة.
وتجلّت ملامح هذا الحراك في تقارب الخطابات السياسية حول جملة من الأولويات الوطنية، حيث ركّزت الأحزاب، لاسيما خلال تجمّعاتها الشعبية بولايات الشرق والوسط، على أهمية تعزيز مؤسّسات الدولة وترسيخ البناء المؤسّساتي ومواصلة مسار التنمية، في ظل المتغيّرات الإقليمية والدولية. كما سعت إلى إبراز كفاءة مترشّحيها وقدرتهم على الاضطلاع بمهام التشريع والرقابة ومرافقة السياسات العمومية، بما يعكس تطورا في الخطاب السياسي نحو التركيز على الكفاءة والفعالية.
وشكّلت الدعوة إلى المشاركة الواسعة في الاقتراع القاسم المشترك بين مختلف التشكيلات السياسية، التي اعتبرت أنّ الإقبال القوي على صناديق الاقتراع يمثل أساس بناء مجلس شعبي وطني يتمتّع بشرعية شعبية واسعة، وقادر على أداء مسؤولياته الدستورية بكفاءة. كما رسّخت هذه الدعوات قناعة مفادها أنّ نجاح المسار الديمقراطي يرتبط بوعي المواطن ومشاركته الفاعلة، وأنّ كل صوت انتخابي يُسهم في دعم استقرار المؤسّسات وتعزيز مسار بناء الجزائر.
وفي المقابل، انتهج المترشّحون الأحرار استراتيجية ميدانية قائمة على التواصل المباشر مع المواطنين، من خلال تكثيف النشاطات الجوارية في القرى والمداشر والأحياء السكنية، خاصة في ولايات الوسط والولايات الجديدة. وأتاح هذا الحضور الميداني رصدا مباشرا لانشغالات المواطنين، فيما ركّزت برامجهم على قضايا التشغيل والسكن والاستثمار المحلي ومحاربة البيروقراطية، بما يعكس سعيا إلى تقديم حلول قريبة من الواقع اليومي للناخبين.
ومع اقتراب اختتام الحملة الانتخابية في الثامن والعشرين من جوان الجاري، برزت مؤشّرات على تطور أدوات التواصل السياسي، من خلال التوسّع في استخدام المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو القصيرة لاستقطاب فئة الشباب، التي تمثل شريحة مهمة من الهيئة الناخبة. كما عزّزت الحملة النقاش حول نزاهة الانتخابات، في ظل الرهان على دور السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات والإطار القانوني المنظم للعملية الانتخابية في ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص.
وسجّلت الحملة كذلك حضورا متزايدا للنقاشات المرتبطة بالتنمية المحلية وخلق الثروة واستغلال الإمكانات الاقتصادية، وهو ما يعكس انتقال الخطاب الانتخابي نحو معالجة القضايا التنموية بأبعادها المختلفة، وإعطاء مساحة أكبر للمشاريع القابلة للتجسيد، بما يواكب تطلّعات المواطنين.
وينتظر أن يُسهم هذا التنوّع في الخطابات والمقاربات في إثراء النقاش السياسي وتوسيع خيارات الناخبين، بما يعزّز التعدّدية السياسية ويكرّس ممارسة ديمقراطية أكثر نضجا. وقد قدّمت الأحزاب رؤى شاملة بشأن الرهانات الوطنية الكبرى ومواصلة مسار بناء الدولة، فيما ركّز المترشّحون الأحرار على الحلول المرتبطة بالانشغالات اليومية للمواطنين، في تكامل يعكس حيوية المشهد الانتخابي.
وتؤشّر هذه الديناميكية إلى مرحلة جديدة من العمل السياسي، تتعزّز فيها الممارسة الديمقراطية من خلال التنافس على أساس البرامج والكفاءات، بما يرسّخ ثقافة انتخابية أكثر نضجا ويمنح الناخب دورا محوريا في رسم ملامح المرحلة المقبلة. كما تعكس الحملة الانتخابية تطورا في أدوات التواصل السياسي، واتّساعا في فضاءات النقاش العام حول قضايا التنمية والإصلاح، بما يعزّز الثقة في المسار الانتخابي ومؤسّسات الدولة.
وينتظر أن تفضي هذه الحركية إلى انتخاب مجلس شعبي وطني قادر على مواكبة تطلّعات الجزائر، والاضطلاع بمهامه الدستورية في التشريع والرقابة ومرافقة السياسات العمومية، بما يُسهم في دعم مسار التنمية والإصلاح وتعزيز البناء المؤسّساتي. كما تمثل هذه الانتخابات محطة جديدة لترسيخ دولة المؤسّسات، وتجديد النخب، وتكريس مشاركة سياسية أوسع تستجيب لمتطلّبات المرحلة وتواكب الطموحات الوطنية.


