رفـع موثوقية الاقتصاد الوطني وتكريـس اندماجه في المنظومـة الدوليـة
يحمل خروج الجزائر رسمياً من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية (GAFI) دلالات سياسية واقتصادية تتجاوز البعد الإجرائي، إذ يجسد اعترافاً دولياً بفعالية الإصلاحات التي باشرتها الدولة، خلال السنوات الأخيرة، ويؤكد استعادة الثقة في المنظومة المالية الوطنية بعد طي صفحة الاختلالات التي سبقت سنة 2019.
أكد رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، خلال اجتماع مجلس الوزراء الأخير، أن هذا المكسب يعيد الاعتبار لسمعة الجزائر في المحافل الدولية، بعد ما تكبدته من تبعات ناجمة عن الممارسات السابقة، موجهاً شكره إلى وزير المالية ومحافظ بنك الجزائر نظير الجهود التي بذلاها في استكمال هذا المسار.
ويعكس هذا التقييم الإيجابي اعترافاً دولياً بتقدم الجزائر في إحكام الرقابة على حركة الأموال داخلياً وخارجياً، وتعزيز منظومة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بما يرفع من موثوقية الاقتصاد الوطني، ويكرس اندماجه في المنظومة المالية الإقليمية والدولية وفق معايير الشفافية والانضباط.
وتندرج الإصلاحات القانونية والتنظيمية التي اعتمدتها الجزائر ضمن رؤية شاملة لتحديث المنظومة المالية وتطوير أدائها، بما يواكب التحولات الاقتصادية التي تشهدها البلاد. ويأتي ذلك بالتوازي مع هدف رفع الناتج المحلي الإجمالي إلى 400 مليار دولار في أفق سنة 2027، وهو مسعى يتطلب قطاعاً مصرفياً عصرياً يتمتع بالكفاءة والشفافية والقدرة على مرافقة الاستثمار والنشاط الاقتصادي.
كما تنسجم هذه الإصلاحات مع استراتيجية الجزائر الرامية إلى توسيع حضورها المالي والمصرفي في القارة الإفريقية، من خلال تعزيز انتشار البنوك الوطنية خارج الحدود. وقد بدأت هذه الرؤية تتجسد بافتتاح فروع لبنوك جزائرية في موريتانيا والسنغال، على أن يمتد هذا التوسع إلى أسواق إفريقية أخرى، بما يدعم المبادلات التجارية والاستثمارات الجزائرية في القارة.
ومن المنتظر أن ينعكس خروج الجزائر من القائمة الرمادية إيجاباً على الصادرات خارج قطاع المحروقات، وعلى جاذبية البلاد للاستثمار الأجنبي المباشر. فقد كانت المعاملات المالية الدولية، خلال فترة إدراج الجزائر ضمن قائمة المتابعة المشددة منذ أكتوبر 2024، تخضع لإجراءات تدقيق إضافية من قبل البنوك والمؤسسات المالية الأجنبية، وهو ما أدى إلى إطالة آجال معالجة التحويلات وارتفاع تكاليف الامتثال بالنسبة للمتعاملين الاقتصاديين.
وأثرت تلك الإجراءات على المصدرين والمستثمرين الذين يعتمدون على سرعة إنجاز العمليات البنكية والتمويل التجاري. ومع استكمال الجزائر للإصلاحات المطلوبة وخروجها رسمياً من القائمة الرمادية، ينتظر أن تتراجع هذه العراقيل تدريجياً، بما يعزز ثقة المؤسسات المالية والشركاء الأجانب، ويسهل حركة رؤوس الأموال والتدفقات الاستثمارية نحو البلاد، فضلاً عن تحسين شروط تمويل المبادلات التجارية ودعم جهود الدولة الرامية إلى تنويع الصادرات واستقطاب استثمارات جديدة.
تعزيـز الرقابـة المالية داخليـا
ويرى خبراء أن إشادة رئيس الجمهورية بالهيئات التي أشرفت على هذا الملف تعكس حجم الإصلاحات التي شهدتها المنظومة المالية، خلال السنوات الأخيرة، والتي مكنت من تطوير آليات مراقبة وتتبع حركة رؤوس الأموال بدقة أكبر، سواء على المستوى الوطني أو في إطار التعاملات الخارجية.
وشملت هذه الإصلاحات تدقيق الحسابات البنكية وحسابات بريد الجزائر، وتحيين بيانات أصحابها وربطها بمصادر الدخل، وفق معايير الامتثال المالي ومكافحة تبييض الأموال، بما يعزز سلامة المنظومة المالية ويرفع كفاءتها.
كما عززت المنظومة الجديدة قدرات البنوك والهيئات المختصة على رصد التحويلات غير العادية أو المشبوهة في مراحل مبكرة، الأمر الذي يرفع فعالية اكتشاف عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، بما فيها تمويل الجماعات الإرهابية وشبكات الاحتيال المالي.
وتفتح هذه الآليات آفاقاً أوسع لتعزيز الحوكمة المالية، والحد من جرائم النصب والاحتيال، ورفع كفاءة أجهزة الرقابة في الكشف المبكر عن المخالفات ومعالجتها، بما يرسخ الثقة في البيئة المالية ويواكب مسار تحديث الاقتصاد الوطني.



