يحمل معرض الجزائر الدولي المنظم بقصر المعارض بالصنوبر البحري «صافكس» في طبعته 57 عدة رسائل ودلالات اقتصادية وسياسية قوية، فبالإضافة إلى كونه أولوية وطنية وإستراتيجية، فهو مؤشر مباشر على جدية الدولة في ملف تنويع الاقتصاد وجذب الاستثمار، وهو ما جعله في كل مرة يحظى باهتمام ورعاية سامية من رئيس الجمهورية على افتتاحه شخصيا، مع اختيار اسبانيا كضيف شرف احتفاء بعودة العلاقات المتينة بين البلدين في رسالة واضحة للجزائر تجاه شركائها وللرأي العالمي لرؤيتها الجديدة وأهم ملامح اقتصادها.
على الرغم من كون معرض الجزائر تظاهرة اقتصادية بامتياز تجمع رجال الأعمال والمصنعين والمؤسسات الاقتصادية في ملتقى عالمي يسمح بتبادل الخبرات واقتناص فرص الاستثمار التي يتيحها وعقد الشراكات المربحة، إلا أن الجزائر من خلال هذا الموعد الهام والمتجدد تفتح على نفسها نافذة للمستثمرين الأجانب والمحليين، كونه يعتبر مؤشرا على مناخ الأعمال وتوجه الجزائر نحو تنويع الاقتصاد بعيدا عن المحروقات، بالإضافة إلى إعطاء فرصة للشركات الجزائرية لعرض منتوجاتها المحلية تحت علامة «صنع في الجزائر» وتدخل أسواق جديدة من خلال تقديم دعم مباشر للإنتاج المحلي والصادرات خارج المحروقات، ولما لا النجاح في عقد الشراكات خاصة وأن الكثير من الصفقات والاتفاقيات B2B تجرى على هامش المعرض، ما يعني أنه بورصة حقيقية للاقتصاد.
وتكمن أهمية التظاهرة في كونه يحمل عدة دلالات سياسية ودبلوماسية فهو واجهة للجزائر بالنظر لعدد الدول المشاركة فيه والذي تجاوز 80 دولة عارضة في رسالة واضحة تؤكد بأن الجزائر منفتحة ومكان آمن للأعمال، ناهيك عن تركيزها على العمق الإفريقي في كل دورة وهذا تأكيد آخر منها بأنها بوابة إفريقيا وبوابة أوروبا في نفس الوقت.
في المقابل، هناك دلالات اجتماعية وتكنولوجية، حيث حرصت في الدورات الثلاث الأخيرة على التحول الرقمي والتكنولوجيا والمؤسسات الناشئة، الطاقات المتجددة وما تحمله هذه المجالات من انعكاسات إيجابية، سيما على استحداث آلاف مناصب الشغل غير المباشرة أثناء المعرض، من النقل للفندقة للخدمات، ما يجعل منه مرآة للوضع الاقتصادي والسياسي للجزائر واتجاهها للسنوات المقبلة.
إفريقيا أولا.. من التعاون إلى التكامل
ولبلوغ هذه الأهداف سطرت «الجزائر للمعارض» فرع مجمع صافكس برنامج ندوات ولقاءات اقتصادية بمشاركة خبراء ومسؤولين ومتعاملين، يحمل 3 دلالات واضحة لمستقبل الاقتصاد الوطني، حيث خصصت اليوم الأول لـ «التعاون الإفريقي والتكامل الاقتصادي» عبر مناقشة التعاون جنوب-جنوب، تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية « زليكاف»، ومكانة الجزائر جيوسياسيا.
وتعكس هذه الجلسة الالتزام بتوجيهات رئيس الجمهورية من خلال تأكيد الجزائر على أنها قلب التكامل الإفريقي، وليست مجرد بوابة اقتصادية استراتيجية، وبالتالي الحرص كل الحرص على تحويل المعرض لطاولة تفاوض قارية تخدم مصالح القارة السمراء المشتركة.
المستثمر الأجنبي في الواجهة
أما اليوم الثاني فيركز على «الاستثمار والتمويل» والتعاون الجزائري-الإسباني، مع استعراض مناخ الأعمال وآليات مرافقة المستثمرين الأجانب، في دلالة واضحة على رعاية الرئيس للافتتاح وتقديم ضمانات عليا للمستثمر، وهذا تأكيد في حد ذاته على أن الدولة على أعلى مستوى تتابع ملف الاستثمار، وما الجزائر وإسبانيا إلا نموذج للشراكة المتوسطية الناجحة.
وستتناول هذه الجلسة مناخ الأعمال في الجزائر، آليات مرافقة المستثمرين الأجانب، وفرص الشراكة مع إسبانيا، في رسالة موجهة لرأس المال الأجنبي بأن المناخ تغيّر، والمرافقة مضمونة، والشراكة مع أوروبا عبر الجار الإسباني مفتوحة وهي دعوة عملية من طرف الجانب الجزائري.
الثروة المنجمية والذكاء الاصطناعي.. خيار صناعي
فيما يختتم اليوم الثالث والأخير بملفين استراتيجيين يتعلّقان بـ «الموارد المنجمية» و»الابتكار التكنولوجي» ودور الذكاء الاصطناعي في التحول الاقتصادي، وهي جلسة يؤكد المنظمون للتظاهرة من خلالها الإرادة السياسية العليا التي تعمل بصفة جدّية على إحداث القطيعة مع اقتصاد الريع، والتوجه نحو اقتصاد صناعي معرفي تكنولوجي، عبر التأكيد بأن الثروة المقبلة تتمثل في باطن الأرض وتحتاج إلى عقل الذكاء الاصطناعي لاستخراجها.
وهو ما يرفع سقف التوقعات التي لم تجعل المعرض مجرد تظاهرة اقتصادية، بل أصبح مخطط عمل برعاية رئاسية، تستند على إفريقيا، الاستثمار، المناجم والتكنولوجيا كركائز اقتصاد الجزائر 2026، وبتأكيد مباشر من أعلى هرم في الدولة.


