حين اعتُقل ياسين بكري في صيف عام 2002، كان شابًا في الحادية والعشرين من عمره…كانت والدته ما تزال تنتظر عودته، وكان والده يمني النفس بأن يراه خارج السجن يومًا ما، وكانت الحياة التي يعرفها ما تزال مفتوحة أمامه بكل احتمالاتها.
بعد أكثر من اثنين وعشرين عامًا، رحلت الأم، ثم رحل الأب، وحصل ياسين على شهادته الجامعية من داخل الزنزانة، بينما بقي هو في المكان نفسه تقريبًا، ينتظر الحرية التي لم تصل بعد.
تختصر هذه الحكاية مسيرة الأسير الفلسطيني ياسين حسن صالح بكري، ابن بلدة البعنة في الجليل الفلسطيني المحتل، وأحد أسرى فلسطينيي الداخل الذين أمضوا سنوات طويلة في السجون الصهيونية تحت أحكام تعتبر من بين الأعلى في الحركة الأسيرة.
من طالب جامعي إلى أسير مؤبد
ولد ياسين بكري عام 1981 في بلدة البعنة داخل أراضي عام 1948، وسط عائلة ارتبط اسمها بتاريخ النضال الفلسطيني، إذ استشهد جده محمد حسن بكري خلال الدفاع عن مدينة عكا عام 1948.
وفي الخامس عشر من أوت 2002 اعتقلته قوات الاحتلال، ووجهت له اتهامات تتعلق بالانتماء إلى حركة حماس وحيازة أسلحة ومتفجرات والمشاركة في تقديم المساعدة لتنفيذ عملية استهدفت حافلة صهيونية قرب منطقة ميرون شمال فلسطين المحتلة.
لاحقًا أصدرت المحكمة الصهيونية بحقه حكمًا بالسجن تسع مرات مؤبدًا، إضافة إلى ثلاثين عامًا، ليبدأ رحلة اعتقال طويلة تنقل خلالها بين سجون الجلمة والرملة وبئر السبع ونفحة وهدريم وشطا وجلبوع.
ورغم قسوة الحكم وطول سنوات الأسر، رفض ياسين أن يتوقف عند حدود الزنزانة. فخلال سنوات اعتقاله واصل تعليمه الأكاديمي، وتمكن من الحصول على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة المفتوحة، في تجربة جسدت إصرار الأسرى الفلسطينيين على تحويل المعرفة إلى إحدى أدوات الصمود في مواجهة السجن.
صرنا مثل الجثث
لكن السنوات الأخيرة حملت معها واقعًا أكثر قسوة. فخلال زيارة قانونية له في سجن جلبوع خلال شهر أيار الماضي، نقل ياسين صورة صادمة عن ظروف احتجازه الحالية، مؤكدًا أن الأسرى يعيشون أوضاعًا صعبة في ظل استمرار القمع والتجويع والإهمال الطبي. ووفق ما أفاد به، فإن القسم الذي يقبع فيه تحول إلى ما يشبه “المسلخ”، مضيفًا: “إحنا ميتين وإحنا عايشين، صرنا متل الجثث من كثر ما نزلنا بالوزن والقمع والضرب اللي بنتعرضله”.
ويعاني الأسير من مرض الجرب “السكابيوس” وانتشار الفطريات الجلدية، كما يعاني من البواسير ويحتاج إلى فحوصات وعلاج طبي، في وقت لا يحصل فيه على الأدوية المسجلة في ملفه الطبي وفق ما أكد خلال الزيارة. كما أشار إلى انخفاض وزنه بصورة كبيرة خلال الفترة الأخيرة.
ولا تبدو معاناة ياسين حالة فردية، بل تأتي ضمن ما تصفه مؤسسات الأسرى بحالة تدهور غير مسبوقة داخل السجون الصهيونية منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث تصاعدت إجراءات القمع والعقوبات الجماعية والتجويع وتقليص الرعاية الصحية، إلى جانب انتشار الأمراض الجلدية الناتجة عن الاكتظاظ وسوء الظروف المعيشية.
كما اشتكى ياسين من عدم انتظام الخروج إلى “الفورة”، ومن استمرار تردي الطعام كماً ونوعاً، مؤكداً أن ما يُتداول عن تحسين ظروف الغذاء داخل السجون لم ينعكس على واقع الأسرى في جلبوع.
وفي ظل هذه الظروف، طالب بالعمل على نقله إلى سجن آخر أملاً في الحصول على ظروف احتجاز أقل قسوة.
أسرٌ مضاعف
لم تكن سنوات السجن وحدها ما أثقل حياة ياسين بكري. في فيفري 2021 توفيت والدته آمنة بكري عن عمر ناهز 68 عامًا، بينما كان يقضي سنوات حكمه الطويلة داخل الأسر. ولم يتمكن من وداعها أو المشاركة في تشييعها. وبعد ذلك بأربعة أعوام تقريبًا، توفي والده أيضًا، ليجد نفسه أمام فاجعة جديدة تضاف إلى سجل طويل من الحرمان الذي يعيشه الأسرى الفلسطينيون.
وتحمل قصة ياسين بعدًا آخر يتجاوز سنوات الاعتقال نفسها، فهو واحد من أسرى فلسطينيي الداخل المحتل الذين يناهز عددهم نحو مئتي أسير، ويقضي عدد منهم أحكامًا مرتفعة تصل إلى المؤبدات المتعددة وعشرات السنين. وغالبًا ما تطرح عائلات هؤلاء الأسرى قضية استثنائهم من كثير من الإفراجات وصفقات التبادل التي شهدتها السنوات الماضية، ما جعل ملفهم يحظى بحساسية خاصة داخل الحركة الأسيرة.
بعد أكثر من عقدين على اعتقاله، لم يعد ياسين بكري مجرد رقم في قوائم الأسرى أو حكمًا قضائيًا طويلًا في سجلات المحاكم الصهيونية.
إنها حكاية رجل دخل السجن شابًا، وواصل تعليمه بين الجدران، وفقد والدته ثم والده وهو عاجز عن وداعهما، ويواجه اليوم المرض والقمع وتراجع حالته الصحية داخل الأسر.
رحلت الأم أولًا.
ثم رحل الأب بعدها بسنوات.
أما ياسين، فما زال في الزنزانة نفسها تقريبًا، يحمل عمرًا كاملاً من الانتظار، ويواصل عدّ السنوات التي مضت منذ صيف عام 2002، على أن يكون للحرية موعد لم يأتِ بعد.







