الخبير بوخالفة لـ»الشعب»: تجاوزنا الإشكالات المرتبطة بالتخزين
تواصل وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، مرافقة الفلاحين خلال حملة حصاد الحبوب للموسم الفلاحي الحالي، عبر حزمة جديدة من الإجراءات العملية الرامية إلى تسهيل عمليات الحصاد وتسريع استقبال المحاصيل، في موسم وصفته الوزارة بالاستثنائي بالنظر إلى اتساع المساحات المزروعة وارتفاع حجم الإنتاج المرتقب.
شملت التدابير إطلاق المنصة الإلكترونية «hassad.dz» لتمكين الفلاحين من طلب الحصادات، وتجنيد أكثر من 1300 حصادة و331 أخرى عصرية لتغطية العجز المسجّل في عدد من الولايات، إضافة إلى فتح مراكز التخزين والاستقبال طيلة أيام الأسبوع، بما فيها العطل الأسبوعية والأعياد الوطنية والدينية، مع تمديد ساعات العمل.
كما قرّرت الوزارة تمكين الفلاحين غير الحائزين على بطاقة الفلاح من تسليم محاصيلهم إلى تعاونيات الحبوب والبقول الجافة، من خلال التصريح بالإنتاج عبر المنصة الإلكترونية أو بالتقرّب من رؤساء الأقسام الفرعية. ووضعت أيضا حصادات إضافية حيّز الخدمة في إطار الاتفاقية المبرمة بين شركتي Agrodrive وPMAT، بما يضمن التكفّل بانشغالات الفلاحين والحد من التأخّر في عمليات الحصاد.
وفي هذا السياق، أكّد الخبير الفلاحي لعلى بوخالفة، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ التنمية الفلاحية في الجزائر شهدت خلال السنوات الأخيرة اهتماما متزايدا من الدولة، خاصة في مرحلة الزرع والبذر، من خلال توفير مختلف الإمكانات الضرورية لإنجاح الموسم الفلاحي، بما في ذلك البذور المحسّنة والأسمدة، إلى جانب تنظيم القطاع عبر إنشاء المجلس الوطني للمكننة واستحداث تعاونيات فلاحية لتقديم التسهيلات للمزارعين، فضلا عن اقتناء عتاد فلاحي عصري، مثل الحصادات والجرارات، وهو ما شكّل، بحسبه، حافزا قويا للفلاحين على توسيع استثماراتهم ورفع المساحات المزروعة.
وأوضح أنّ هذا الاهتمام شمل أيضا إدماج التقنيات الحديثة في النشاط الفلاحي، ودعم أنظمة الرّي، لاسيما الرّي الذكي، الذي أصبح يُسهم في ترشيد استعمال المياه ورفع مردودية المحاصيل، مؤكّدا أنّ الدولة عملت على توفير الظروف الملائمة للفلاح منذ انطلاق الموسم الفلاحي إلى غاية نهاية عملية الحصاد.
وأشار بوخالفة إلى أنّ من أبرز المكاسب المحقّقة تطوير منظومة تخزين الحبوب، بعدما كان الفلاحون يعانون في السنوات الماضية من طوابير طويلة أمام وحدات التخزين وضياع الوقت، كما أنّ محدودية طاقات الاستقبال كانت تحول دون تمكّن بعضهم من تسليم محاصيلهم إلى الديوان الجزائري المهني للحبوب والبقول الجافة.
وأضاف أنّ الجزائر تمكّنت من تجاوز هذه الإشكالية بفضل إنجاز مراكز تخزين جوارية، حيث تمّ إنشاء 350 مركزا جواريا و30 صومعة كبيرة، ما سمح برفع طاقات التخزين من نحو 44 مليون قنطار إلى ما يقارب 90 مليون قنطار، مع استمرار المشاريع المبرمجة في هذا المجال، الأمر الذي سيُسهم في تحسين ظروف استقبال المحاصيل وتقليص المسافات التي يقطعها الفلاحون للوصول إلى مراكز التخزين.
وأكّد المتحدث أنّ بعض المزارعين ما زالوا يواجهون صعوبات في الحصول على الحصادات في الوقت المناسب، وهو ما قد يؤدي إلى ضياع جزء من الإنتاج، سواء بسبب الحرائق التي تشهدها بعض المناطق خلال فصل الصيف أو نتيجة الأمطار الموسمية، التي تؤثر في نوعية الحبوب عند تأخّر عملية الحصاد، مشدّدا على أنّ المحصول يحتاج إلى تدخّل سريع فور بلوغه مرحلة النضج لتفادي أي خسائر.
وأوضح أنّ المنصّة الإلكترونية التي أطلقتها وزارة الفلاحة ستُسهم في معالجة هذا الإشكال، من خلال تمكين الفلاحين من طلب الحصادات والاستفادة منها في الوقت المناسب، كما ستدعم عملية تجديد الحصادات القديمة التي لم تعد تستجيب لمتطلّبات الحصاد الحديثة. ولفت إلى أنّ الخسائر الناجمة عن استعمال وسائل قديمة أو عن التأخّر في الحصاد تتراوح بين 12 و20 بالمائة، وهي نسبة تمثل استنزافا للإنتاج الوطني والاقتصاد، وتنعكس مباشرة على مردودية المستثمر أو المزارع.
وأكّد أنّ المتابعة الميدانية التي تقوم بها السلطات العمومية تهدف إلى إيجاد حلول لكل العراقيل التي كان يواجهها الفلاحون، بما يعكس المكانة التي أصبح يحظى بها قطاع الفلاحة، باعتباره ركيزة أساسية لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الأمن الغذائي.
وأشار بوخالفة إلى أنّ الجزائر تمكّنت هذا الموسم من تحقيق الاكتفاء الذاتي في القمح الصلب، معربا عن تفاؤله بإمكانية تحقيق الاكتفاء الذاتي في القمح والشعير خلال المواسم المقبلة، مضيفا أنّ السياسة نفسها ستتواصل بالنسبة للقمح اللين والذرة الصفراء والأعلاف، عبر مواصلة الاستثمار في توسيع المساحات المزروعة، وتوفير البذور والأسمدة والعتاد الفلاحي، إلى جانب تطوير وسائل الرّي والتخزين.
وأضاف أنّ اهتمام الدولة يشمل مختلف مراحل الإنتاج، من الزرع والبذر إلى الحصاد والتخزين، لأنّ تحقيق الأمن الغذائي يتطلّب التكفّل بجميع حلقات الإنتاج ضمن رؤية متكاملة تعمل الجزائر على تجسيدها ميدانيا.
وأكّد أنّ هذه السياسة تأتي في ظل ظروف دولية استثنائية تتّسم بالتغيّرات المناخية والاضطرابات الجيوسياسية والصراعات الدولية، التي أثرت في إنتاج الحبوب وسلاسل التموين عبر العالم، موضّحا أنّ الجزائر اتخذت إجراءات استباقية للتقليل من آثار هذه التحديات، من خلال بناء السدود، وإنجاز محطات لتحلية مياه البحر، ومحطات لتصفية المياه المستعملة، إلى جانب ترشيد استغلال المياه الجوفية، بما يضمن توفير الموارد المائية اللازمة لتطوير النشاط الفلاحي.
وأوضح أنّ هذه المشاريع المائية، إلى جانب برامج المكننة والدعم والتخزين، تشكّل منظومة متكاملة تهدف إلى حماية الإنتاج الوطني وضمان استمرارية التنمية الفلاحية، مؤكّدا أنّ نتائجها بدأت تتجسّد ميدانيا من خلال تحسّن المردودية وارتفاع الإنتاج.
وخلص الخبير الفلاحي إلى التأكيد على أنّ موسم الحصاد الحالي مرشّح لأن يكون من أفضل المواسم منذ الاستقلال، متوقّعا أن يتجاوز إنتاج الحبوب 50 مليون قنطار، وهو رقم غير مسبوق. وأشار إلى أنّ استمرار هذه السياسة سيمكّن الجزائر مستقبلا من التحول إلى قطب فلاحي قادر على تلبية احتياجات السوق الوطنية، ودعم الأمن الغذائي، مع توفير فائض من الإنتاج يفتح آفاق التوجّه نحو التصدير والمساهمة في تلبية احتياجات بعض الدول، التي تعاني عجزا في المواد الغذائية الأساسية.



