استكمـال مسار تجديد الشرعية لواحــدة من أهــــم المؤسســــات الدستوريـة
تترقب الساحة السياسية إعلان النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية، وهي محطة تحظى باهتمام واسع من الفاعلين السياسيين، لما تحمله من دلالات تتجاوز توزيع المقاعد داخل المجلس الشعبي الوطني إلى استكمال مسار دستوري يرتبط بتجديد الشرعية لواحدة من أهم المؤسسات الدستورية في البلاد وتكريس استقرارها.
تستعد السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات لإطلاع الرأي العام الوطني، على النتائج المؤقتة للتشريعيات، وفقا للآجال التي يحددها القانون، إذ يتم إعلانها في غضون 72 ساعة من استلام آخر محضر فرز قبل أن تنتقل الملفات إلى المحكمة الدستورية للفصل في الطعون وإعلان النتائج النهائية. ويمثل هذا التسلسل الإجرائي إحدى الضمانات التي أقرها المشرع من أجل حماية سلامة المسار الانتخابي، ومنح جميع المترشحين الحق في اللجوء إلى الآليات القانونية التي تكفل شفافية العملية ومصداقية مخرجاتها.
ويأتي هذا الموعد بعد انتخابات جرت في ظروف تنظيمية اتسمت بالانضباط، حيث لم تسجل السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أي تجاوزات مؤثرة في السير العام للاقتراع، وفق ما أكده رئيسها بالنيابة كريم خلفان.
كما عرف الاستحقاق مشاركة مختلف فئات المجتمع في ظل اعتماد نظام القائمة المفتوحة، الذي منح الناخب مساحة أوسع لاختيار المترشح الذي يراه الأقدر على تمثيله، وهو خيار أعاد الاعتبار للصوت الفردي داخل العملية الانتخابية، وجعل المنافسة أكثر ارتباطا بثقة المواطن من ارتباطها بترتيب الأسماء داخل القوائم.
ومع اقتراب الإعلان عن النتائج، تتجه القراءة السياسية إلى ما هو أبعد من أسماء الفائزين. فالمؤسسة التشريعية المقبلة ستتشكل في ظل معطيات تختلف عن تجارب سابقة، بعدما أصبحت نزاهة المسار الانتخابي عنوانا رئيسيا للإصلاحات التي عرفتها المنظومة القانونية والتنظيمية خلال السنوات الأخيرة.
وقد فرض هذا التوجه قواعد أكثر صرامة في مراقبة العملية الانتخابية، ووسع من دائرة الضمانات الموجهة لحماية الإرادة الشعبية منذ انطلاق المسار الانتخابي إلى غاية إعلان النتائج النهائية.
ويبرز في هذا الإطار عامل «الإرادة السياسية» باعتباره أحد أهم المتغيرات التي طبعت هذا الاستحقاق. فقد جاء التأكيد المتكرر من رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، على حماية أصوات الناخبين ليمنح رسالة واضحة مفادها أن شرعية المؤسسات تبدأ من سلامة الصندوق، وأن أي محاولة للتأثير على الخيار الحر للمواطن لم يعد لها مكان داخل الممارسة السياسية.
هذه الرسالة لم تبق في حدود الخطاب السياسي، وإنما وجدت ترجمتها في تشديد الرقابة على مختلف مراحل العملية الانتخابية، وفي التعامل الصارم مع المال الفاسد وكل السلوكات التي يمكن أن تمس بمصداقية الاقتراع. وتحمل هذه المقاربة دلالة سياسية عميقة، لأنها تعيد صياغة العلاقة بين المواطن والانتخابات. فعندما يقتنع الناخب بأن صوته محفوظ، وأن اختياره هو الذي يصنع النتيجة، تتعزز الثقة في المؤسسات، ويتحول الاقتراع من واجب قانوني إلى وسيلة فعلية للتأثير في الحياة العامة. كما أن حماية الصوت الانتخابي تمنح الفائزين شرعية أقوى، وتجعل المسؤولية الملقاة على عاتقهم أكبر، لأن الوصول إلى البرلمان يصبح ثمرة ثقة مباشرة منحها المواطن، لا نتيجة اعتبارات أخرى.
وتشير الأرقام الخاصة بالمترشحين إلى ملامح قد تطبع تركيبة المجلس الشعبي الوطني المقبل، حيث مثل الشباب 54 بالمائة من إجمالي المترشحين، فيما بلغت نسبة حاملي الشهادات الجامعية 47 بالمائة.
وتعكس هذه المعطيات توجها نحو تجديد النخب السياسية وإفساح المجال أمام كفاءات جديدة، غير أن القيمة الحقيقية لهذه المؤشرات ستقاس بمدى قدرة المنتخبين على تحويل هذا الحضور إلى أداء تشريعي ورقابي يرتقي إلى تطلعات المواطنين، ويواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد.
وتبقى المهام الدستورية للمجلس الشعبي الوطني في صدارة تطلعات المرحلة المقبلة. فالتشريع، والرقابة على عمل الحكومة، ومناقشة السياسات العمومية، ونقل انشغالات المواطنين، تشكل جميعها مسؤوليات تتطلب حضورا فعالا وكفاءة في إدارة النقاش العمومي، خاصة في ظل الملفات الاقتصادية والاجتماعية ذات الأولوية الأساسية.
ومن المنتظر أن يعزز المجلس الشعبي الوطني المقبل ومن خلاله البرلمان بغرفتيه، مبدأ التوزان بين السلطات الدستورية، والتعايش فيما بينها، وهي توازنات سيكون لها أثر مباشر في وتيرة العمل البرلماني خلال العهدة المقبلة. فنجاعة المؤسسة التشريعية لا ترتبط بعدد المقاعد التي يفوز بها هذا التشكيل أو ذاك، وإنما بقدرتها على بناء توافقات تخدم المصلحة العامة، وممارسة الرقابة في إطار ما رسمه الدستور من توازن بين السلطات، بما يعزز فعالية مؤسسات الدولة ويحافظ على استقرارها.
ويظل إعلان النتائج المؤقتة محطة ينتظرها الجميع، غير أن قيمتها السياسية تبدأ فعليا بعد اكتمال المسار الدستوري وتنصيب المجلس الشعبي الوطني الجديد. عندها تنتقل المسؤولية من الناخب إلى المنتخب، ومن صندوق الاقتراع إلى قبة البرلمان، حيث يصبح الوفاء بالالتزامات، وترجمة الثقة الشعبية إلى مبادرات تشريعية ورقابية، المعيار الذي تقاس به مكانة المؤسسة التشريعية وقدرتها على مواكبة تطلعات المجتمع وترسيخ «الثقة» في العمل السياسي والمؤسساتي.



