نصر تلو النصر.. جزائر الأحرار تواصل كسب الرّهانات ورفع التحديات
يشكّل تاريخ الخامس من جويلية محطة مفصلية في تاريخ الجزائر، لأنه يجسّد نهاية 132 سنة من الاستعمار الفرنسي الغاشم والهمجي، وبداية مرحلة استعاد فيها الشعب الجزائري سيادته وسلطته الوطنية، بعد مسار طويل من المقاومة والكفاح السياسي والعمل الثوري المسلّح. ويكتسي هذا التاريخ دلالة خاصة لأنه يجمع بين ذكرى الاستقلال سنة 1962، وكذلك ذكرى بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر في اليوم نفسه من سنة 1830، ليبقى شاهدا على انتقال البلاد من مرحلة السيطرة الاستعمارية إلى مرحلة استرجاع السيادة وبناء الدولة الوطنية بإرادة الجزائريّين وتضحياتهم.
لم يكن الاستقلال حدثا منعزلا عن مسار تاريخي طويل، بل جاء نتيجة تراكم نضالات متواصلة بدأت منذ الأيام الأولى للاحتلال، فقد واجه الجزائريّون القوات الفرنسية بمقاومات شعبية امتدت عبر مختلف ربوع الوطن، وقادها عدد كبير من الزعماء الوطنيّين الذين خلّدهم التاريخ وفي مقدّمتهم الأمير عبد القادر مؤسّس الدولة الجزائرية الحديثة، والذي وصفته صحيفة نيويورك تايمز بأحد أعظم الشخصيات السياسية والعسكرية في وقته في مقال صدر في 1873، ثم أحمد باي، والشيخ بوعمامة، والمقراني، والشيخ الحداد، وغيرهم من قادة المقاومات الذين رفضوا الاستسلام ودافعوا عن الأرض والهوية والسيادة الوطنية.
ورغم التفوق العسكري الكبير الذي كانت تمتلكه فرنسا، فإنها لم تتمكّن من إنهاء روح المقاومة لدى الجزائريّين. فخلال العقود الأولى للاحتلال اعتمدت الإدارة الاستعمارية سياسة تقوم على القوة العسكرية والمصادرة الواسعة للأراضي وتهجير السكان وإقامة المستوطنات الأوروبية، إلى جانب فرض قوانين استثنائية حرمت الجزائريين من أبسط الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما ساهم في استمرار حالة الرفض الشعبي للاحتلال.
ومع بداية القرن العشرين، انتقلت الحركة الوطنية إلى مرحلة جديدة، حيث ظهرت تنظيمات سياسية وجمعيات إصلاحية ونقابية وثقافية عملت على الدفاع عن حقوق الجزائريين والحفاظ على الشخصية الوطنية. وأسهمت شخصيات سياسية وفكرية في ترسيخ الوعي الوطني، بينما طالبت الأحزاب الوطنية في صورة حزب الشعب في إنهاء النظام الاستعماري وتمكين الجزائريّين من حقّهم في الاستقلال والحرية، غير أنّ السلطات الاستعمارية قابلت تلك المطالب بالقمع والاعتقالات وحلّ التنظيمات الوطنية، ما رسّخ فكرة أنّ ما أخذ بالقوة لا يمكن أن يسترجع إلا بالقوة.
من المجازر الاستعمارية إلى ثورة التحرير
من جهة أخرى، شكّلت الجرائم التي ارتكبتها فرنسا الاستعمارية إحدى أكثر الصفحات دموية في تاريخ الجزائر الحديث والعالم. فقد شهدت البلاد عشرات المجازر الجماعية التي استهدفت المدنيّين العزل في مختلف المناطق، وتركت آثارا عميقة في الذاكرة الوطنية لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها بدون محاسبة واعتراف واعتذار وتعويض.
وتبقى مجازر الثامن ماي 1945 من أبرز تلك الجرائم، حيث خرج آلاف الجزائريّين في مدن سطيف وقالمة وخراطة وغيرها للمطالبة بالحرية والاستقلال، تزامنا مع احتفالات نهاية الحرب العالمية الثانية. غير أنّ السلطات الاستعمارية حينها واجهت تلك المظاهرات بقمع واسع تحوّل إلى حملة قتل جماعي استمرّت عدة أسابيع وشملت عمليات إعدام ميدانية واعتقالات وتعذيبا وقصفا لآلاف القرى، فيما تؤكد التقديرات سقوط أكثر من 45 ألف شهيد خلال تلك المجازر. كما يعتبر عدد كبير من المؤرّخين أنّ تلك المجازر شكّلت نقطة تحول دفعت الحركة الوطنية إلى الاقتناع بأنّ العمل السياسي وحده لم يعد كافيا لإنهاء الاستعمار، وأنّ الكفاح المسلّح أصبح الخيار الوحيد لاستعادة الاستقلال.
في سياق متصل، تحتفظ مدينة الأغواط هي الأخرى بواحدة من أكثر الجرائم قسوة خلال بدايات الاحتلال الفرنسي. ففي حصار المدينة سنة 1852 تعرّض السكان لهجوم واسع انتهى بمقتل نسبة كبيرة من أهالي المدينة، فيما تشير العديد من الدراسات التاريخية حتى الفرنسية منها وما يؤكّدها الأرشيف الفرنسي نفسه، إلى استخدام القوات الفرنسية لمواد وغازات سامة خلال العمليات العسكرية، وهو ما جعل تلك الأحداث حاضرة بقوة في الذاكرة الوطنية باعتبارها من أوائل الأمثلة على استخدام وسائل إبادة جماعية ضدّ المدنيين خلال الاحتلال.
لا تزال هذه الوقائع محل اهتمام المؤرّخين والباحثين الذين يواصلون دراسة الوثائق والشهادات المرتبطة بها، بما في ذلك صحفيين ومؤرّخين فرنسيين الذي اعترفوا بالواقعة وأرّخوا لها واعتبروها إرهاب دولة ومجازر تصنف على أنها جرائم حرب.
كذلك، لم تقتصر الجرائم الاستعمارية على هذه الأحداث، بل شملت سياسات العقاب الجماعي، والإعدامات دون محاكمة، والنفي الجماعي، ومصادرة الممتلكات، وإنشاء مراكز الاعتقال، إلى جانب محاولات طمس الهوية الوطنية من خلال استهداف اللغة العربية والمؤسّسات الدينية والتعليمية. وأسهمت هذه الممارسات بشكل كبير في تعميق القناعة لدى الجزائريّين بأنّ إنهاء الاستعمار أصبح قضية وجود وليس مجرّد مطلب سياسي.
أمّا وبالعودة إلى الثورة التحريرية المجيدة، فقد جاء اندلاعها في الفاتح نوفمبر 1954 تتويجا لمسار طويل من النضال الوطني. إذ أعلنت جبهة التحرير الوطني بداية الكفاح المسلّح بهدف استرجاع السيادة الوطنية وإقامة دولة جزائرية مستقلة، لتدخل الجزائر مرحلة جديدة اتّسمت بتنظيم العمل العسكري والسياسي والدبلوماسي في آن واحد، في ثورة التف حولها الشعب الجزائري من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، تجسيدا لمقولة أحد عظمائها ومفجّريها، الشهيد الرمز العربي بن مهيدي، «ألقوا بالثورة للشارع يحتضنها الشعب» وهو ما وقع بالفعل.
وخلال ما يقارب ثماني سنوات، توسّعت الثورة لتشمل كل شبر من التراب الوطني، واستطاعت بناء تنظيم سياسي وعسكري متكامل، كما نجحت في نقل القضية الوطنية إلى المحافل الدولية، حيث أصبحت مسألة تصفية الاستعمار في الجزائر تحظى بدعم متزايد داخل الأمم المتحدة وبين العديد من الدول الآسيوية والإفريقية والعربية، التي كانت تخوض بدورها معارك التحرّر الوطني، وكانت الثورة الجزائرية بالنسبة لهم مصدرا للإلهام والصمود لأجل الحرية والانعتاق.
أزيد من 5 مليون شهيد
تؤكّد الأرقام الرسمية أنّ الجزائر قدّمت أكثر من 5.630.000 شهيد خلال فترة الاستعمار وخلال الثورة التحريرية وحدها، قدمت أكثر من مليون ونصف المليون شهيد، إضافة إلى مئات الآلاف من الجرحى والمعتقلين والمهجّرين، بينما تعرّضت قرى كاملة للتدمير، وأنشأت السلطات الاستعمارية مراكز للتعذيب والاعتقال، فضلا عن إقامة خطوط مكهربة على الحدود واستخدام مختلف الوسائل العسكرية لمحاولة القضاء على الثورة، غير أنّ ذلك لم ينجح في كسر إرادة الجزائريّين الذين واصلوا الكفاح حتى انتزاع الاستقلال الكامل.
وفي سياق متصل، لم تقتصر أهمية الثورة الجزائرية على بعدها الوطني، بل تحولت إلى نموذج ألهم العديد من حركات التحرّر في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. فقد استفادت حركات التحرّر من التجربة الجزائرية في تنظيم الكفاح الوطني وربط العمل العسكري بالتحرّك السياسي والدبلوماسي، كما أصبحت الجزائر بعد الاستقلال فضاء لدعم حركات التحرّر في عدد من البلدان، وهو ما عزّز مكانتها الدولية كإحدى الدول الداعمة لحق الشعوب في تقرير مصيرها.
كذلك، أسهمت الثورة في إعادة تشكيل الشخصية الجزائرية الحديثة، حيث عزّزت قيم التضامن والوحدة الوطنية والاعتماد على الإرادة الشعبية، ورسّخت قناعة راسخة بأنّ الدفاع عن السيادة الوطنية يمثل مسؤولية جماعية تتجاوز حدود الأجيال.
كما أصبحت مبادئ الحرية والاستقلال والعدالة جزءا من الخطاب السياسي الجزائري ومن توجّهات الدولة في علاقاتها الدولية، خاصة فيما يتعلّق بدعم قضايا التحرّر ورفض كل أشكال الاستعمار والاحتلال.
بالإضافة إلى ذلك، بقيت ذاكرة الشهداء حاضرة في مختلف المناسبات الوطنية باعتبارها أحد أهم عناصر الهوية الوطنية. فالاحتفاء بعيد الاستقلال لا يقتصر على استذكار نهاية الاحتلال، وإنما يمثل مناسبة لتجديد الوفاء لتضحيات ملايين الجزائريين، الذين واجهوا مختلف أشكال القمع خلال أكثر من قرن من الزمن، بداية بالمقاومات الشعبية، مرورا بالحركة الوطنية، وصولا إلى ثورة التحرير التي انتهت باسترجاع السيادة الوطنية في الخامس من جويلية 1962.





