الأدب الجزائري رافق مسيرة الكفاح وحفظ ذاكرة الكفاح التحرري
أكد الأستاذ محمد الصديق بغورة أن الأدب الجزائري ارتبط بالقضية الوطنية منذ قرون، ولم يكن مجرد وسيلة للتعبير الفني، فقد شكّل أداة للمقاومة وحفظ الذاكرة الجماعية، موضحا أن الثورة التحريرية لم تكتف بإلهام الشعراء موضوعا، وإنما أحدثت تحوّلا عميقا في بنية القصيدة الجزائرية ولغتها ورؤيتها الفنية، لينتقل الشعر من التعبير عن الثورة إلى ممارسة الثورة داخل النص ذاته.
وأوضح بغورة في تصريح لـ«الشعب”، أن الأديب الجزائري عبّر في مختلف المراحل التاريخية عن الوجدان الجماعي للأمة، وجسّد تطلعاتها إلى الحرية والاستقلال، مشيرا إلى أن هذا الحضور النضالي سبق اندلاع ثورة نوفمبر بقرون، حيث وثقت القصائد الشعبية ملاحم المقاومة ضد الغزاة، وحفظت بطولات المقاومين للأجيال المتعاقبة.
ويرى الأستاذ بغورة، أن الشعر الشعبي كان أول سجل تاريخي للمقاومة الجزائرية، مستشهدا بقصائد سيدي لخضر بن خلوف التي أرخت لمعركة مزغران ضد الإسبان سنة 1558، مؤكدا أن الشاعر لم يكن مجرد راوٍ للأحداث، بل كان أحد المشاركين فيها، وهو ما منح النصوص مصداقية تاريخية وقيمة وطنية كبيرة. ويقول بن خلوف مستحضرا مشاركته في المقاومة:
حسراه يا الدنيا كيلي ما كانت
عديت شبوب صغري في مزغران
سيفي مجرده وانا نضرب ف العدا
والناس ضاجة من زجري بلخوف.
وأضاف أن شعراء آخرين، على غرار محمد بلخير، واصلوا أداء هذا الدور من خلال تخليد بطولات رجال المقاومة، لتصبح القصيدة الشعبية خزّانا للذاكرة الوطنية، ووسيلة للحفاظ على الوعي الجماعي في مواجهة الاحتلال.
وفي السياق ذاته، أشار المتحدث إلى أن الكتابة الجزائرية لم تقتصر على الشعر، بل امتدت إلى النثر، مستحضرا كتاب “المرآة” لحمدان بن عثمان خوجة، الذي خاطب الضمير العالمي منذ السنوات الأولى للاحتلال الفرنسي، مطالبا برفض الاستعمار والدفاع عن حقّ الجزائريين في الحرية والكرامة.
وأكد بغورة، أن القرن العشرين عرف بروز جيل من الشعراء الذين أسهموا في ترسيخ الوعي الوطني، وفي مقدمتهم محمد العيد آل خليفة، الذي دعا صراحة إلى مقاومة الاستعمار قبل اندلاع الثورة التحريرية، من خلال قصائد حملت خطابا تحريضيا يعزّز روح النضال والاستعداد للتضحية، كما كتب في هذه الأبيات:
فقم يا ابن البلاد اليوم وانهض
بلا مهل فقد طال القعود
وقل يا ابن البلاد لكل لصّ
تجلّى الصبح وانتبه الرقود.
وأضاف، أن اندلاع ثورة أول نوفمبر منح القصيدة الوطنية بعدا جديدا، حيث أصبحت الثورة موضوعها المركزي، وارتفع صوت الجماعة على حساب الذات الفردية، كما ظهر ذلك في أعمال محمد الشبوكي وغيره من شعراء الثورة الذين جعلوا من النص الشعري منبرا للتعبئة والدفاع عن الوطن، كما دوّن في إحدى قصائده:
جزائرنا يا بلاد الجدود
نهضنا نحطم عنك القيود
ففيك برغم العدى سنسود
ونعصف بالظلم والظالمين.
وفي قراءة للتحوّلات الفنية، أوضح الأستاذ بغورة أن التجديد الحقيقي بدأ مع جيل جديد من الشعراء، وفي مقدمتهم بلقاسم سعد الله، الذي تجاوز الخطاب الحماسي المباشر نحو قصيدة أكثر حداثة وتأملا، حيث لم تعد الثورة مجرد حدث تاريخي، وإنما أصبحت طريقة جديدة في التفكير والكتابة وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والعالم، كما كتب في هذه الأبيات:
يا رفيقي
لا تلمني عن مروقي
فقد اخترت طريقي!
وطريقي كالحياة
شائك الأهداف مجهول السمات.
وأشار إلى أن هذا التحوّل تواصل مع شعراء آخرين، من بينهم محمد الصالح باوية، الذي منح القصيدة أبعادا رمزية وجمالية جديدة، فصارت مفردات الطبيعة والحياة اليومية تشارك في صناعة الفعل الثوري، مؤكدا أن الثورة الأدبية لا تتحقق فقط بالسلاح أو بالشعارات، وإنما أيضا بتجديد اللغة والصورة الشعرية، كما دوّن في قصائده:
عانقينا وادفعينا يا رياح
فعناق الموج قد شدّ الشراع
وأخبري الأقمار عنا… والصباح
أننا جيل جديد للصراع.
وشدّد الأستاذ بغورة على أن التجربة الشعرية الجزائرية انتقلت من مرحلة التعبير المباشر عن المقاومة إلى مرحلة أكثر نضجا، أصبحت فيها الثورة جزءا من بنية النص نفسه، معتبرا أن كل تحوّل حقيقي في المجتمع يبدأ بتحوّل في اللغة وطريقة التعبير.
وختم بالتأكيد على أن الأدب الجزائري، سواء كتب باللغة العربية الفصحى أو بالعامية، وبالشعر أو بالنثر، ظلّ وفيا للقضية الوطنية، غير أن تطوّره الفني يعكس انتقاله من مجرد توثيق الأحداث إلى الإسهام في صناعة الوعي، بما يجعل الثورة الشعرية امتدادا طبيعيا للثورة التحريرية، وتجسيدا لتحول الإنسان الجزائري في نظرته إلى ذاته وإلى العالم.



