التــزام بمواصلــة تطويـــر الصـادرات بما يدعم أمن الإمدادات الطاقوية للقـــارة الأوروبيــة
خطت الجزائر خطوة جديدة في تعزيز حضورها داخل سوق الطاقة الأوروبية، بعدما أعلن مجمّع سوناطراك، أمس، عن تسليم أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا، في محطة تعكس نجاح الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى تنويع الأسواق وتعزيز المكانة التجارية للجزائر كمموّن موثوق للطاقة في أوروبا.
أوضح بيان للمجمّع، أنّ الشحنة سلّمت يوم 2 جويلية الجاري عبر محطة إعادة التغويز العائمة “ويلهامشافن 1”، بعد انطلاقها من مركب تمييع الغاز “جي أل 2 زاد” ببطيوة، ونقلت على متن ناقلة الغاز الطبيعي المسال “تسالة” المملوكة لسوناطراك.
وأكّد المجمّع أنّ هذه العملية تبرز قدرته على اغتنام الفرص التي تتيحها التحوّلات التي يشهدها السوق العالمي للغاز، من خلال توجيه صادراته نحو أسواق استراتيجية ذات إمكانات واعدة، بما يعزّز مرونته التجارية ويكرّس حضوره في أبرز أسواق الطاقة الدولية. كما تعكس التزام سوناطراك بمواصلة تطوير صادراتها نحو السوق الألمانية، بما يدعم أمن الإمدادات الطاقوية للقارة الأوروبية ويعزّز مكانة الجزائر كشريك موثوق.
وتعتزم “سوناطراك”، من خلال هذه العملية، “مواصلة تطوير صادراتها نحو السوق الألمانية، بما يعزّز مكانتها كمموّن رئيسي للطاقة، ويساهم في دعم أمن الإمدادات الطاقوية للقارة الأوروبية”.
وكانت سوناطراك قد وقّعت، في فيفري 2024، عقدا متوسّط الأجل لتوريد الغاز مع الشركة الألمانية “في أن جي هاندل وفيرتريب جي إم بي أيش”، التابعة لمجموعة VNG AG، في خطوة فتحت الباب أمام دخول الغاز الجزائري إلى السوق الألمانية، ومهّدت لتوسيع التعاون مستقبلا، خاصة في مجال الهيدروجين.
لاعــب محـــوري في سوق الغاز العالمي
بهذا، تعزّز الجزائر عاما بعد آخر مكانتها ضمن كبار منتجي ومصدّري الغاز في العالم، بفضل السياسة الطاقوية المنتهجة والاستثمارات الموجّهة لرفع الإنتاج وتطوير منشآت النقل والتسييل.
ووفق تقارير سابقة صادرة عن منتدى الدول المصدّرة للغاز، ومنظمة الأقطار العربية المصدّرة للبترول “أوابك” فقد احتلت الجزائر المرتبة السابعة عالميا في صادرات الغاز خلال سنة 2023 بإجمالي 52 مليار متر مكعب، منها 18 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال و34 مليار متر مكعب عبر خطوط الأنابيب، وهو ما يؤكّد تنوّع منافذ التصدير وقدرة الجزائر على تلبية الطلب المتزايد في الأسواق الدولية.
وأصبحت الجزائر أحد أهم الشركاء الطاقويّين للاتحاد الأوروبي، بعدما حافظت على انتظام إمداداتها خلال السنوات الأخيرة، وواصلت الوفاء بالتزاماتها التعاقدية رغم التحوّلات التي شهدتها أسواق الطاقة العالمية.
ولم يعد الحضور الجزائري يقتصر على الأسواق التقليدية، مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، بل امتد إلى أسواق جديدة، على غرار ألمانيا، بالتوازي مع تعزيز موقعه في أسواق واعدة مثل تركيا، التي تصدّرت قائمة مستوردي الغاز الطبيعي المسال الجزائري بحجم بلغ 4.3 ملايين طن، متجاوزة الكميات التعاقدية البالغة 3.2 ملايين طن سنويا.
وبحسب معطيات منظمة الأقطار العربية المصدّرة للبترول “أوابك”، جاءت فرنسا في المرتبة الثانية ضمن أكبر مستوردي الغاز الطبيعي المسال الجزائري بـ3.2 ملايين طن، تلتها إيطاليا بـ1.8 مليون طن، ثمّ إسبانيا بحوالي 1.4 مليون طن.
أرقـــام تعكـــس قوة الأداء
بلغت صادرات الجزائر من الغاز الطبيعي المسال أكثر من 13 مليون طن خلال سنة 2023، وهو أعلى مستوى منذ سنة 2010، مقابل 10.2 ملايين طن سنة 2022، بزيادة سنوية بلغت 26.1 بالمائة، وهي أعلى نسبة نمو تسجّلها دولة عربية خلال تلك السنة، وفق بيانات أوابك.
ويحمل وصول أول شحنة إلى ألمانيا، دلالات استراتيجية مهمة، أبرزها نجاح الجزائر في تنويع أسواقها والاستفادة من التحوّلات التي يعرفها سوق الطاقة العالمي، بما يفتح المجال أمام إبرام عقود جديدة مع شركاء أوروبيّين وآسيويّين، ويعزّز القيمة المضافة لصادراتها.
ويعتبر وصول الغاز الجزائري المسال إلى السوق الألمانية منجزا طاقويا مهما، ويحمل عدة دلالات جوهرية، أولها تطوير قدرات تسويق الغاز المسال الجزائري وتنويع أسواقه، والاستفادة من ظروف الطلب على مستوى الأسواق الطاقوية الجهوية والعالمية، لتصريف شحنات الغاز الفائضة عن العقود المتوسطة الآجال، نحو هذه الأسواق، واستغلالها لترسيم عقود جديدة مع أسواق جديدة للغاز المسال، كما هو الحال مع تركيا وعديد الدول الأسيوية والأوروبية.
أوروبـــا الوجهــة الأول..
تظل أوروبا الوجهة الرّئيسية لصادرات الغاز الجزائري، حيث يوجّه نحو 70 بالمائة من الصادرات عبر خطوط الأنابيب، بينما يصدّر نحو 30 بالمائة في شكل غاز طبيعي مسال، ما يعزّز مكانة الجزائر كمموّن رئيسي لدول جنوب أوروبا.
كما احتلت الجزائر المرتبة الثانية بين أكبر مصدّري الغاز عبر الأنابيب إلى أوروبا، خلال سنة 2023، بحصة بلغت 19 بالمائة من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي عبر الأنابيب، لتأتي مباشرة بعد النرويج.
أمّا صادرات الغاز الطبيعي المسال نحو أوروبا، فقد بلغت نحو 9.2 ملايين طن، ما جعل الجزائر رابع أكبر مموّن للقارة بهذا النوع من الطاقة، وهو ما يعكس الثقة التي تحظى بها الإمدادات الجزائرية لدى الأسواق الأوروبية.
وفي هذا الصدد، تشير توقّعات منتدى الدول المصدّرة للغاز إلى أنّ الجزائر مرشّحة للحفاظ على مكانتها كمموّن رئيسي للسوق الأوروبية حتى عام 2050، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وتطور بنيتها التحتية، والاستثمارات المتواصلة في الاستكشاف والإنتاج والتسييل.
كما يتوقّع أن يستقر الإنتاج الوطني عند نحو 100 مليار متر مكعب في آفاق سنة 2030، مدعوما بالاكتشافات الجديدة وبرامج الاستثمار الرامية إلى رفع الإنتاج وتعزيز قدرات الاستغلال.وتؤكّد هذه المؤشّرات أنّ وصول أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا ليس مجرّد عملية تصدير جديدة، بل يمثل محطة استراتيجية تعكس نجاح الجزائر في ترسيخ مكانتها كفاعل رئيسي في سوق الطاقة الأوروبية، وتعزيز قدرتها على توسيع أسواقها ورفع تنافسية صادراتها، في ظل التحوّلات المتسارعة التي يشهدها قطاع الطاقة العالمي.



