باتت البؤر الاستيطانية تسيطر على نحو خُمس مساحة الضفة الغربية في ظل حملة الاستيلاء على الأراضي التي قادتها تنظيمات المستوطنين بدعم من حكومة الاحتلال الصهيوني، وذلك بهدف تغيير الواقع وقلب الموازين في المنطقة المحتلة.
تشير معطيات جديدة إلى أن المشروع الاستيطاني الصهيوني بلغ أعلى مستوياته للعام الثالث على التوالي، وتصاعد على نحو غير مسبوق منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023.
وارتبطت حملة الاستيطان هذه بشكل وثيق مع موجة الهجمات الإرهابية والتهجير القسري التي يشنها مستوطنون في شتى أنحاء الضفة، بالتوازي مع عمليات الهدم والاعتداءات التي تنفذها قوات الاحتلال الصهيوني.
ذروة تصعيــد متواصلـة
وقال تقرير لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أصدرته قبل أيام، إن العدد الإجمالي للاعتداءات التي نفذها جيش الاحتلال ومستوطنون في الضفة الغربية خلال النصف الأول من العام 2026، بلغ 11074 اعتداءً، تسبب بعضها باستشهاد 17 فلسطينياً وإلحاق الأضرار الجسيمة بـ26 تجمعاً بدوياً أدت إلى ترحيل 8 منها بشكل جزئي و18 تجمعاً آخر بشكل كلي.
وفي هذا السياق، قال مدير عام التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية أمير داود، إن الهجمة الاستيطانية واعتداءات المستوطنين تأتي في سياق ذروة متواصلة لم تنخفض منذ نحو ثلاث سنوات، موضحاً أن المقارنة بين النصف الأول من عام 2026 والفترة الموازية من عام 2025 تظهر تقارباً كبيراً في عدد الاعتداءات، مع فارق يقدر بنحو 150 اعتداء فقط، ما يؤكد استمرار المستوى المرتفع نفسه دون تراجع.
واعتبر داود أن استمرار هذه الذروة طوال السنوات الأخيرة مرتبط بوصول حكومة صهيونية يمينية متطرفة ذات توجهات أيديولوجية إلى الحكم، واستغلالها ظروف الحرب على قطاع غزة والإبادة الجماعية والانشغال الدولي والإعلامي لتسريع تنفيذ مخططاتها على الأرض.
سبـاق نحـو الحسـم
وتابع داود أن سياسة «سباق الزمن» لم تبدأ بعد السابع من أكتوبر 2023، بل انطلقت منذ تشكيل الحكومة الحالية، قبل أن تتسارع بصورة أكبر مع اندلاع حرب الإبادة، مشيراً إلى أن الحكومة الصهيونية جاءت تحت عنوان «الحسم»، وعملت بصورة متوازية مع مختلف الملفات المرتبطة بالفلسطينيين، بهدف فرض وقائع جديدة وحسم القضايا المتعلقة بالأرض والاستيطان والوجود الفلسطيني. وأضاف أن أجندة الاستيطان والأراضي الفلسطينية تتصدر أولويات هذه الحكومة، وهو ما انعكس في سلسلة متلاحقة من القرارات والإعلانات، شملت توسيع الاستيطان، وتعزيز الحماية للمستوطنين، وإجراء تغييرات في القوانين الناظمة للأرض الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين، معتبراً أن جميع هذه الخطوات تحمل الدرجة نفسها من الخطورة.
ورجح داود أن تكون الأشهر القليلة التي تسبق الانتخابات الصهيونية المقبلة، في أكتوبر القادم، من أكثر الفترات صعوبة وخطورة، في ظل تعامل هذه الحكومة مع الدم الفلسطيني والجغرافية الفلسطينية باعتبارهما مادة انتخابية تستخدم لتعزيز حضورها داخل المجتمع الصهيوني.
ولا يستبعد داود تصاعد الهجمة الاستيطانية خلال المرحلة المقبلة، رغم المستوى المرتفع القائم حالياً، داعياً إلى «تعزيز الوعي والحصانة الذاتية الفلسطينية والاستعداد لمختلف السيناريوهات المحتملة في المستقبل القريب».
رأس الحربــة
من جهته، يرى منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان والخبير في شؤون الاستيطان جمال جمعة، أن تصاعد الاعتداءات والمخططات الاستيطانية خلال النصف الأول من العام الجاري يعكس استمرار تنفيذ خطة صهيونية متسارعة لضم الضفة الغربية ومنع قيام دولة فلسطينية.
وبحسب جمعة، فإن «رأس الحربة» في هذه السياسيات هم المستوطنون من خلال بؤر استيطانية رعوية ممولة ومدعومة من الحكومة الصهيونية، تشمل التسليح والمركبات والطائرات المسيّرة، بهدف تهجير الفلسطينيين والسيطرة على الأراضي، مشيراً إلى تهجير 118 تجمعاً بدوياً فلسطينياً والاستيلاء على ما يقارب ألف كيلومتر مربع.
في السياق، نقلت الأنباء عن مصادر دبلوماسية أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي سيناقشون حظر استيراد منتجات المستوطنات الصهيونية، وذلك بعد ضغوط من عدد من الدول الأعضاء على التكتل لاتخاذ إجراءات. ورجح الدبلوماسيون أن النقاش الذي سيدور في اجتماع في بروكسل غدا الاثنين لن يُسفر عن أي قرارات ملموسة، ولكنه سيساعد في تبيان مدى الدعم المتوافر للمضي قدماً في إجراءات كهذه.


