على غير ما كان متوقعا مع بداية موسم الاصطياف، تعيش المدن السياحية بالمغرب صيفا استثنائيا، ليس بسبب الإقبال القياسي، بل بسبب تراجع وتيرة الحجوزات، وارتفاع غير مسبوق في أسعار الإقامة والخدمات، وتأخر ملحوظ في عودة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، الذين يشكلون في العادة رافعة أساسية لتنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية.
رغم أن شهر يوليو يمثل عادة ذروة الموسم الصيفي، فإن العديد من مهنيي الإيواء السياحي يؤكدون أن نسبة كبيرة من الغرف لا تزال شاغرة مقارنة بالفترة نفسها من السنوات الماضية، وسط تغير واضح في سلوك الأسر المغربية التي أصبحت تؤجل قرارات السفر إلى آخر لحظة، أو تلغيها بالكامل بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف العطلة.
الغلاء يغير خريطة الاصطياف
لم يعد التخطيط للعطلة الصيفية أمرا سهلا بالنسبة لآلاف الأسر المغربية، فأسعار الفنادق والشقق المفروشة، إلى جانب تكاليف النقل والمطاعم والأنشطة الترفيهية، شهدت ارتفاعا لافتا، الأمر الذي جعل قضاء بضعة أيام على الشاطئ يتطلب ميزانية تفوق إمكانيات شريحة واسعة من المواطنين.
ويؤكد متابعون للشأن السياحي أن هذا الارتفاع في الأسعار انعكس بشكل مباشر على نسب الإقبال، حيث فضلت العديد من الأسر تقليص مدة الإقامة، أو الاكتفاء برحلات قصيرة، فيما اختار آخرون تأجيل العطلة إلى غاية انخفاض الأسعار خلال نهاية الموسم، أو اللجوء إلى إلغائها تماما.
ويؤكد فاعلون في القطاع أن الرهان أصبح معلقا على الأسابيع المقبلة، على أمل أن تساهم عودة مغاربة العالم في إنعاش الحركة السياحية، وتعويض التراجع الذي طبع بداية الموسم.
تأخر الجالية.. عامل مؤثر
هذا، ومن بين أبرز المؤشرات التي أثرت في الموسم الحالي، التأخر النسبي في دخول أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج.ومعلوم أن هذه الفئة، وفي جميع الدول، تشكل محركا رئيسيا للاستهلاك السياحي، سواء من خلال الإقامة بالفنادق، أو كراء الشقق، أو الإقبال على المطاعم والفضاءات الترفيهية والأسواق المحلية.
لكن هذا الموسم، يرى مهنيون في المملكة أن وتيرة الوصول جاءت أبطأ من المعتاد، وهو ما انعكس على النشاط الاقتصادي بعدد من المدن الساحلية التي تعول بشكل كبير على السياح المغاربة المقيمين بالخارج.
عطلة تتحـوّل إلى عـبء
وتزامنا مع موجات الحرارة الاستثنائية التي تعرفها مختلف مناطق المملكة، أصبحت العطلة الصيفية بالنسبة إلى عدد من الأسر أقرب إلى معادلة صعبة.
فبين البحث عن وجهة مناسبة، وتحمل تكاليف الإقامة والتنقل، ومواجهة الاكتظاظ والازدحام وارتفاع أسعار الخدمات، يجد كثير من المغاربة أنفسهم مضطرين إلى تقليص طموحاتهم أو العدول عن السفر نهائيا.
ويؤكد متابعون أن الاصطياف لم يعد متنفسا حقيقيا لعدد من العائلات ذات الدخل المتوسط، بعدما تحولت الإجازة الصيفية إلى عبء مالي يثقل ميزانية الأسرة، في وقت ترتفع فيه كلفة المعيشة بشكل عام.
ويرى مهنيون أن الحفاظ على تنافسية السياحة المغربية يمر عبر اعتماد سياسة أكثر توازنا في الأسعار، تراعي القدرة الشرائية للمواطن، الذي يظل الزبون الأول للسياحة الداخلية.
وفي الأخير يبقى التأكيد بأن الموسم الصيفي لسنة 2026 يكشف عن تحديات حقيقية تواجه القطاع السياحي في المغرب، في مقدمتها الغلاء، وتراجع القدرة الشرائية، وتأخر عودة الجالية المغربية، وتغير سلوك المستهلك.
ويرى متابعون أن نجاح المواسم السياحية مستقبلا لن يقاس فقط بعدد الوافدين، بل أيضا بقدرة الأسر المغربية على الاستفادة من حقها في العطلة والاستجمام داخل وطنها، دون أن تتحول بضعة أيام على البحر إلى كلفة تفوق إمكانياتها.




