تؤكّد المؤشّرات الاقتصادية الراهنة حصول تحول بنيوي شامل في الخارطة العالمية للتعليم العالي والتدريب المهني الموجه للإطارات والمسيرين التنفيذيين، ويأتي هذا التحول مدفوعا بالطفرة المتسارعة لتقنيات الذكاء الاصطناعي التي باتت تفرض تقادما متسارعا للمهارات المهنية بمعدلات تفوق سرعة اكتسابها، ما نقل ملف التكوين المستمر من خانة الامتيازات الاجتماعية الثانوية إلى مصاف الروافع الاستراتيجية الأساسية لضمان التنافسية الاقتصادية، مع ما يصاحب ذلك من تعقيدات إدارية ومحاسبية ترتبط بضبط الميزانيات وتحديد العائد الفعلي على هذا الاستثمار البشري.
تعكس القراءات المتخصّصة في سوق التدريب العالمي حالة من إعادة التشكيل الجذري، تتجلى في الصعود القوي لبرامج “تكوين المسيرين” (Executive Education) في المدارس التجارية الكبرى، والانتشار الواسع للصيغ التعليمية القصيرة والمدعمة بشهادات كفاءة، في وقت تواجه فيه الإدارات العامة معضلة قياس المردودية المالية المباشرة، وسط قناعة راسخة بأن تكوين القادة يمثل الحصن الأخير للاستثمارات الإنسانية التي تستعصي مردوديتها على المكننة والذكاء الاصطناعي.
انتقال استراتيجي
ولقد أحدثت الهيئات التعليمية العالمية تغييرا جوهريا في استراتيجياتها التسويقية والأكاديمية، حيث تحوّلت الرسائل والمضامين الموجهة للرأي العام الاقتصادي نحو فئات مستهدفة جديدة تماما، وتخلت المدارس الكبرى عن حصر خطابها في فئة الطلاب الشباب ممن هم في سن الثانية والعشرين، والباحثين عن شهاداتهم الجامعية الأولى، لتوجيه برامجها ومناهجها مباشرة نحو المسيرين التنفيذيين الذين يقودون المؤسسات في سن الخامسة والأربعين وما فوق، وتحت شعارات محورية تؤسس للمرحلة الجديدة مثل “الأداء يبدأ من المهارات” و«ابنِ مؤسستك أثناء فترة تكوينك”، يبرز تحول كامل في النموذج الاقتصادي للمنظومة التعليمية، حيث أضحى التكوين المستمر للمسيرين يمثل الرافعة الأساسية لنمو المدارس العليا، تعويضا عن وصول سوق الشهادات الأساسية التقليدية إلى مرحلة التشبع والنضج الديموغرافي.
وتكشف البيانات والمؤشرات المالية عن بلوغ القيمة السوقية العالمية لبرامج التكوين التنفيذي غير التابعة للمسارات الأكاديمية التقليدية، عشرات المليارات من اليوروهات سنويا، كما تخصص اليوميات الاقتصادية الدولية، وفي مقدمتها “فاينانشال تايمز”، تصنيفات سنوية مستقلة ومحددة لتقييم البرامج الموجهة للإطارات.
وتستأثر المعاهد والمدارس الأكثر تميزا واستقطابا على المستوى الدولي، على غرار “HEC” و«Insead” و«ESCP” و«EM Lyon” و«Audencia”، بحصة جوهرية من رقم أعمالها الإجمالي من خلال عائدات التكوين المستمر الذي تموله الشركات والمؤسسات الاقتصادية بصفة كاملة عوضا عن العائلات، وهو ما ساهم في إعادة رسم الحدود الهيكلية الفاصلة بين المؤسسات الأكاديمية ومكاتب الاستشارات الدولية، محولا المسار من صيغة منح الدبلومات العلمية الرمزية إلى تقديم خدمات متكاملة ومباشرة لقطاع الأعمال.
من ثقافة المكافأة إلى قواعد الأصول الاستثمارية
وطرأ تغير عميق على نظرة الإدارات العامة والمديريات التنفيذية لطبيعة الموازنات المالية المرصودة لتكوين الكوادر، حيث استمرت هذه البرامج لفترات طويلة تُعامل كنوع من المزايا الاجتماعية أو المكافآت التشجيعية، كتقديم تكوين في ماجستير إدارة الأعمال التنفيذي (EMBA) لصالح إطار واعد، أو تنظيم ندوات القيادة لتوحيد الرؤى بين أعضاء اللجان التنفيذية.
وتؤكّد المعطيات الراهنة انتهاء تلك الحقبة بشكل كامل تحت وطأة الضغط المزدوج المتمثل في التسارع التكنولوجي من جهة، وحرب استقطاب المواهب والكفاءات من جهة أخرى، لينتقل التكوين إلى بند استثماري قائم بذاته يخضع لآليات رقابة وتوجيه صارمة.
ويبرز التوجه الجديد للمؤسسات من خلال سعيها لتطبيق قواعد حوكمة صارمة على برامج التكوين تماثل تلك المطبقة على المعدات والوسائل الصناعية، حيث تطالب المديريات المالية بتحديد العائد على الاستثمار في البرامج التدريبية بإصرار يماثل طلب قياس مردودية الآلات والمعدات الإنتاجية، وتتبنى المؤسسات التعليمية، ومنها مدرسة “Audencia”، هذا الطرح التنافسي عبر شعارات صريحة تعتبر التكوين “الاستثمار الأكثر ربحية في الحياة”، وهو المفهوم الذي يكتسب أبعادا أعمق عند نقله من النطاق الفردي الشخصي إلى النطاق الجماعي للمؤسسة، لتصبح العملية خاضعة لقوانين المفاضلة، وتخصيص الموارد، وقياس العوائد، وإدارة المخاطر.
الذّكاء الاصطناعي.. محرّك التقدم
وتشير التقارير الصادرة عن الهيئات الاقتصادية العالمية، وفي مقدمتها المنتدى الاقتصادي العالمي ومكاتب الاستشارات الدولية الكبرى، إلى تقاطع الآراء حول الخطر الأساسي المتمثل في “التراجع والتقادم المتسارع للمهارات”، حيث تُقدر نسبة القدرات والكفاءات المرشحة للزوال أو التحول الجذري خلال السنوات القليلة القادمة بعشرات من النِسَب المئوية، ومع قدرة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي الحالية على استيعاب وتنفيذ أجزاء واسعة من مهام التحليل، والصياغة، وصناعة القرارات البينية والمتوسطة، فإن القيمة السوقية والمعرفية للمهارات والخبرات التقليدية تتراجع بسرعة فائقة وغير مسبوقة، ما جعل التكوين وسيلة حتمية للمؤسسات للحفاظ على وتيرة تنافسيتها وتفادي التراجع، عوضا عن كونه مجرد وسيلة لمراكمة الأصول المعرفية الهادئة.
وتفرض المعطيات الجديدة رزنامة زمنية ضيقة ومكثفة على المسارات المهنية للإطارات، إذ تبين أن المعارف والعلوم المكتسبة في مستهل المسار الوظيفي أصبحت عاجزة تماما عن تغطية الآفاق المهنية والمستقبلية طويلة المدى للكوادر المسيرة، وتتطلب البيئة التنافسية الجديدة انتقالا من منطق التكوين لغرض الترقية الإدارية إلى منطق التكوين المستمر كآلية دفاعية تمنع التدني المتسارع لقيمة رأس المال البشري للمؤسسة.
معضلة الانسجام الاستراتيجي والتّوجيه
أدّت الضّغوط المتزايدة إلى طفرة واسعة في نماذج التكوين القصيرة والمدعمة بشهادات تخصصية مكثفة، إلى جانب برامج الماجستير التنفيذي التقليدية الطويلة والمكلفة، وتتعدد حاليا الوحدات التدريبية الممتدة على أيام قليلة والشهادات المخصصة لدراسة محاور دقيقة ومستحدثة، مثل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتمويل المستدام، وإدارة التغيير في المؤسسات.
وترى المدارس العليا في هذه الأنماط التعليمية منتجات ذات هوامش ربحية مرتفعة وقدرة على الدوران والتجدد السريع، في حين تجد فيها الشركات والمؤسسات وسيلة عملية وفعالة لتحديث مهارات نوعية ومحددة دون الاضطرار لتجميد نشاط كوادرها وإبعادهم عن مواقعهم الميدانية لفترات الطويلة قد تمتد لسنتين.
ورغم المزايا المباشرة لهذه الصيغ المستحدثة، فإن الانتشار العشوائي وتعدد هذه الشهادات والوحدات المنفصلة يطرح إشكالية هيكلية تتعلق بمدى انسجام وتناسق الرؤية التدريبية، كون التجميع العشوائي للشهادات التخصصية لا يمنح المؤسسة استراتيجية متكاملة ومدروسة للمهارات، ويمثل هذا التحدي المرتبط بالقيادة والتوجيه الشامل للعملية التكوينية أحد أبرز الصعاب الهيكلية التي تسعى الإدارات العامة والمجالس المديرية لتجاوزها وضبطها بصورة مستمرة.
تعقيد التّقييم المحاسبي
وتواجه المؤسّسات صعوبة بالغة في إيجاد إجابات بسيطة ومباشرة حول كيفية حساب المردودية الاقتصادية الصافية لعمليات التكوين، بالنظر إلى الفوارق الهيكلية بين الاستثمار في الموارد البشرية والاستثمار في الأصول المادية.
وتظهر نتائج الاستثمار الصناعي التقليدي بوضوح، وضمن جداول محاسبية محدّدة، في الحسابات الختامية ونتائج الميزانية، بينما تتدفق فوائد وعوائد تكوين المسيرين عبر قنوات متعددة وتتداخل ضمن منظومة من التأثيرات غير المباشرة والتراكمية.
وتتمثّل العوائد الفعلية لبرامج تكوين الكوادر المسيرة في الارتقاء بمستوى وجودة القرارات الاستراتيجية المتخذة، وتوطيد روابط الولاء والالتزام بين المؤسسة ومواهبها القيادية، ورفع مرونة الاستجابة وقدرة التكيف مع الهزات الاقتصادية، فضلا عن نسج وتوسيع شبكات العلاقات المهنية المؤثرة. وتُصنف هذه العناصر والمكتسبات كأرباح حقيقية ومؤثرة في المسار التنافسي للمؤسسات، غير أنها تتميز بطبيعة مرنة ومستعصية على التقييم المالي والأدوات المحاسبية الرقمية الجامدة.




