ترسيخ الاستقرار بالمنطقة عبر ورشات اقتصادية كبرى
لجنة قطاعية لمتابعة تقدمها وضمان احترام الآجال
إنتاج الكهرباء.. استثمارات تنموية طويلة المدى
تعكس توجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الصادرة خلال اجتماع مجلس الوزراء الأخير، حرص الجزائر على الانتقال باتفاقيات التعاون مع النيجر وتشاد من مرحلة التوقيع إلى مرحلة الإنجاز الميداني، لاسيما في قطاع إنتاج الكهرباء الذي يعد من أبرز الأولويات التنموية في البلدين.
يأتي التطور بعد نجاح تشغيل أول محطة جزائرية لإنتاج الكهرباء في النيجر خلال شهر جوان الماضي، والتي تؤمّن احتياجات نحو مليون نسمة، مع اقتراب دخول محطة إنتاج الكهرباء بمنطقة فرشا في العاصمة التشادية نجامينا، بقدرة 40 ميغاواط، حيّز الخدمة.شدّد رئيس الجمهورية على الأهمية القصوى التي توليها الجزائر لتجسيد مختلف المشاريع المتفق عليها مع النيجر وتشاد في أقرب الآجال، خاصة تلك المتعلقة بإنتاج الكهرباء لفائدة سكان البلدين، كما كلّف وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، بالإشراف على لجنة قطاعية تتولى متابعة مدى تقدم المشاريع وضمان احترام الآجال المحدّدة لإنجازها.
وتؤكّد هذه التوجيهات أنّ التعاون مع دول الساحل يحظى بمتابعة مباشرة من أعلى هرم السلطة، بما يعكس إرادة سياسية للانتقال من إعلان الاتفاقيات إلى تنفيذها الفعلي، عبر آليات متابعة وتنسيق بين مختلف القطاعات الجزائرية ونظيراتها في النيجر وتشاد.
وتنظر الجزائر إلى مشاريع إنتاج الكهرباء باعتبارها استثمارات تنموية طويلة المدى، تُسهم في بناء قاعدة اقتصادية متينة، وتوفير الخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف الملائمة لإطلاق الأنشطة الاقتصادية وتحسين المستوى المعيشي للسكان.وتكتسي هذه المشاريع أهمية خاصة بالنظر إلى محدودية التغطية الكهربائية في البلدين. فبحسب بيانات البنك الدولي، بلغت نسبة السكان المستفيدين من الكهرباء في النيجر 20.1 بالمائة سنة 2023، بينما لم تتجاوز في تشاد 12 بالمائة خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها المناطق الريفية والبعيدة عن المراكز الحضرية.
وتتجاوز أهمية الكهرباء تلبية الاحتياجات المنزلية، إذ تمثل ركيزة أساسية لتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، ودعم المؤسّسات الاقتصادية الصغيرة، وتطوير النشاط الفلاحي والصناعات التحويلية، فضلا عن تعزيز جاذبية الاستثمار، وهو ما يفسّر إدراج الجزائر التعاون في مجال الطاقة ضمن أولويات شراكاتها الاقتصادية مع دول الساحل.
التنمية في صلب المقاربة الجزائرية
تقدّم متابعة تنفيذ المشاريع مع النيجر وتشاد نموذجا عمليا للمقاربة الجزائرية في منطقة الساحل، القائمة على ترسيخ الاستقرار عبر التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بالتوازي مع تعزيز التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
وتستند هذه الرؤية إلى قناعة راسخة بأنّ معالجة الأزمات التي تعرفها المنطقة تقتضي مواجهة أسبابها العميقة، وفي مقدّمتها الفقر والبطالة وضعف البنية التحتية ونقص الخدمات الأساسية. ومن هذا المنطلق، يشكّل الاستثمار في الكهرباء والطرق والتكوين والمؤسّسات الاقتصادية أحد أهم أدوات دعم الاستقرار وتحقيق التنمية المستدامة.
وتملك المؤسّسات الجزائرية خبرة معتبرة في إنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها، بما يؤهّلها للمساهمة في إنجاز هذه المشاريع عبر شركات وطنية، وفي مقدمتها سونلغاز الدولية، إلى جانب نقل الخبرات وتكوين الكفاءات المحلية وضمان استمرارية استغلال المنشآت بعد دخولها الخدمة. ويقوم هذا التعاون على تلبية الاحتياجات التي تحدّدها الدول الشريكة، ضمن رؤية تنموية بعيدة المدى.
كما يؤكّد ما ورد في بيان مجلس الوزراء، بشأن إقامة قاعدة اقتصادية متينة وتحقيق تنمية قوية واستثمارات حقيقية، أنّ الجزائر تتّجه نحو بناء شراكات استراتيجية مستدامة مع دول الساحل، تقوم على تحقيق المصالح المشتركة وفق مبدأ «رابح ـ رابح»، بما يعزّز البعد الاقتصادي إلى جانب التعاون الأمني.وفي السياق ذاته، باتت دول المنطقة أكثر إدراكا لضرورة اعتماد مقاربات تنموية شاملة، بعدما أظهرت التجارب أنّ العديد من التدخّلات الخارجية ذات الطابع الأمني لم تحقّق الأهداف المرجوة في بناء اقتصادات قوية أو تحسين الأوضاع الاجتماعية. وفي المقابل، ترتكز الشراكة الجزائرية مع دول الساحل على احترام سيادة الدول، وعدم التدخّل في شؤونها الداخلية، واعتماد الحوار والتشاور بشأن التحديات المشتركة.وتسعى الجزائر، من خلال هذا التوجّه، إلى إقامة تعاون متوازن تفرضه الجغرافيا وروابط الجوار، ويراعي أولويات النيجر وتشاد، مستندة إلى ما تمتلكه من خبرات وإمكانات في مجالات الطاقة والتكوين والبنية التحتية، بما يوفّر قيمة مضافة حقيقية للشركاء.
ومن شأن نجاح المشاريع الجاري تنفيذها أن يفتح آفاقا أوسع للتعاون بين الدول الثلاث، لتشمل مجالات التجارة والنقل والفلاحة والصناعات الغذائية والخدمات، مستفيدة من الموقع الجغرافي للجزائر وما يوفّره من فرص لتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي.
وفي هذا الإطار، تبرز اللجنة القطاعية التي أمر رئيس الجمهورية بإنشائها كآلية عملية لضمان التنسيق بين مختلف المتدخلين، ومتابعة وتيرة الإنجاز، ومعالجة الصعوبات التي قد تعترض سير المشاريع، بما يكفل احترام الآجال المحدّدة وتحويل الاتفاقيات المبرمة إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع.




