استحداث مناصب شغل وتعزيز الصادرات خارج المحروقات
ترأس الوزير الأول، سيفي غريب، اجتماعًا للحكومة خُصص لمتابعة عدد من الملفات الاقتصادية، وفي مقدمتها مدى تقدم المشاريع المنجمية الاستراتيجية الكبرى، ويتعلق الأمر بمشروع تطوير منجم الحديد بغارا جبيلات في تندوف، ومشروع الفوسفات المتكامل في تبسة، إلى جانب مشروع تطوير منجم الزنك والرصاص بتالة حمزة ووادي أميزور في بجاية.
تولي الحكومة أهمية استراتيجية لهذه المشاريع، بالنظر إلى دورها المحوري في رفع مساهمة قطاع المناجم في الاقتصاد الوطني، وتوفير المواد الأولية للصناعة المحلية، وتقليص الواردات، فضلاً عن استحداث مناصب شغل في عدد من الولايات. ويأتي مشروع الفوسفات المتكامل في صدارة المشاريع التي تراهن عليها الجزائر الجديدة، باعتباره ركيزة لبناء صناعة وطنية متكاملة للأسمدة والمنتجات الكيميائية المرتبطة بالفوسفات، إلى جانب تعزيز صادرات المنتجات المنجمية ذات القيمة المضافة.
ويرتكز المشروع على استغلال منجم بلاد الحدبة بولاية تبسة، ثم نقل الفوسفات إلى وحدات المعالجة والتحويل لإنتاج الأسمدة والمنتجات المركبة، قبل توجيه جزء من الإنتاج إلى السوق الوطنية وتصدير الفائض نحو الأسواق الخارجية.
ويندرج هذا التوجه في إطار تعليمات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، الداعية إلى تثمين الموارد الطبيعية عبر تحويلها محليًا، بما يرفع قيمتها المضافة، ويعزز العائدات، ويفتح المجال أمام إنشاء صناعات جديدة.
ويحقق تحويل الفوسفات إلى أسمدة ومنتجات كيميائية مركبة عائدات اقتصادية أكبر مقارنة بتصديره في شكله الخام، كما يسهم في إنشاء سلسلة إنتاج متكاملة تشمل الاستخراج، والمعالجة، والنقل، والصناعة الكيميائية، والتخزين، والتصدير.
مقومات تنافسية لصناعة الأسمدة
تمتلك الجزائر مقومات قوية تؤهلها لتطوير صناعة تنافسية للأسمدة على المستويين الإقليمي والدولي، وفي مقدمتها احتياطات ضخمة من الفوسفات تُقدَّر بمليارات الأطنان، إلى جانب وفرة الغاز الطبيعي، الذي يمثل مادة أساسية في إنتاج الأمونيا واليوريا والأسمدة الآزوتية.
كما تستفيد الجزائر من توفر معظم المواد الأولية اللازمة لهذه الصناعة محليًا، الأمر الذي يمنحها ميزة تنافسية مقارنة بعدد من الدول التي تعتمد على استيراد الغاز أو الأمونيا أو الفوسفات، بما يرفع تكاليف إنتاجها ويزيد من تأثرها بتقلبات الأسواق العالمية.
وتدعم هذه المزايا شبكة واسعة لنقل الغاز، ومنشآت صناعية، وموانئ قريبة من مناطق الإنتاج، وهو ما يسهم في تقليص تكاليف النقل وتعزيز تنافسية المنتجات الجزائرية في الأسواق الخارجية.
ويستهدف مشروع الفوسفات المتكامل إنتاج كميات معتبرة من الأسمدة ومشتقاتها، مع رفع الطاقة الإنتاجية تدريجيًا بالتزامن مع دخول مختلف الوحدات الصناعية حيز الخدمة، وذلك في إطار خطة وطنية ترمي إلى ترسيخ مكانة الجزائر ضمن أبرز منتجي ومصدري الأسمدة في المنطقة.
ويرتبط المشروع كذلك ببرنامج تحديث الخط المنجمي الشرقي، الذي يربط مناطق الإنتاج في تبسة وسوق أهراس بميناء عنابة، بما يتيح نقل المواد الأولية والمنتجات المصنعة بكفاءة أكبر وبطاقات أعلى.
ويظل نجاح المشروع مرهونًا بتقدم الأشغال في مختلف مكوناته بصورة متزامنة، سواء تعلق الأمر بالمنجم، أو وحدات التحويل، أو شبكة السكك الحديدية، أو البنى التحتية الخاصة بالكهرباء والغاز والمياه، بما يضمن دخوله حيز الاستغلال وفق الآجال المحددة.
دعم الأمن الغذائي وتقليص الواردات
يشكل مشروع الفوسفات المتكامل أحد أهم ركائز إستراتيجية الأمن الغذائي، بالنظر إلى ارتباطه المباشر ببرامج توسيع المساحات الزراعية، ورفع إنتاج الحبوب، وتطوير الزراعات الصناعية، وتشجيع الاستثمار الفلاحي، خاصة في ولايات الجنوب.
وتتطلب هذه البرامج توفير كميات كبيرة ومنتظمة من الأسمدة المركبة، لاسيما في ظل الارتفاع الذي شهدته أسعارها عالميًا خلال السنوات الأخيرة، وما ترتب عنه من زيادة في تكاليف الإنتاج الزراعي.
ومن شأن الإنتاج المحلي للأسمدة أن يضمن تزويد الفلاحين باحتياجاتهم بأسعار أكثر استقرارًا، ويعزز استقلالية السوق الوطنية، ويدعم استمرارية البرامج الزراعية بعيدًا عن تأثيرات الأزمات الدولية واضطرابات سلاسل الإمداد.
كما يسهم توفير الأسمدة بالكميات المطلوبة في رفع مردودية الأراضي الزراعية وتحسين الإنتاج، خاصة في شعب الحبوب، والذرة، والنباتات الزيتية، والأعلاف، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بتقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز الاكتفاء الغذائي.
وفي المقابل، يتيح فائض الإنتاج فرصًا واعدة للتصدير نحو الأسواق الأوروبية والإفريقية والعربية والآسيوية، مستفيدًا من الموقع الجغرافي للجزائر على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، ومن شبكة الموانئ والبنى اللوجستية التي تسمح بوصول المنتجات إلى الأسواق المستهدفة في آجال تنافسية.
وبذلك، يكرس مشروع الفوسفات المتكامل مكانته كأحد أكبر المشاريع الصناعية الاستراتيجية في الجزائر، لكونه يجمع بين تثمين الثروات المنجمية، وتطوير الصناعة الكيميائية، ودعم الأمن الغذائي، وتعزيز الصادرات خارج قطاع المحروقات، بما ينسجم مع مسار تنويع الاقتصاد الوطني.

