تشهد سوق التكنولوجيات المتقدّمة تحوّلات جوهرية متسارعة تضع كبريات الشركات العالمية أمام حتمية إعادة صياغة نماذجها الاستثمارية، حيث تكثّف مجموعة “ميتا” الأمريكية من جهودها المالية والتقنية لتعويض التأخر المسجّل في إطلاق حلول الذكاء الاصطناعي التوليدي الموجّهة للجمهور العريض، والتوجّه نحو فتح آفاق جديدة للربحية استجابة لضغوط الأسواق المالية والمستثمرين الطامحين إلى تحقيق مردودية سريعة للاستثمارات الضخمة الموجهة لهذا القطاع الحيوى.
وأظهرت تسريبات داخلية من تقارير ومحاضر اجتماعات رفيعة المستوى عقدت برئاسة الرئيس التنفيذي مارك زوكربرغ، وجود حالة من الاستياء والاهتمام البالغ برفع وتيرة تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي المستقلة، وتتطلّع المجموعة إلى تسريع مسار تطوير وإدماج العملاء الأذكياء (البرمجيات المؤهلة لتنفيذ مهام تخصّصية معقّدة بصفة ذاتية)، مع تعديل الجداول الزمنية والخطط المرحلية للوصول إلى الكفاءة التنافسية المطلوبة ومجاراة الخصوم التكنولوجيين في الأسواق العالمية.
وفي إطار هذه الحركية التنظيمية، خضعت المؤسسة لإعادة هيكلة شاملة تحت شعار “الذكاء الاصطناعي أولا”، أسفرت عن إنهاء عقود نحو ثمانية آلاف موظف مع نهاية شهر أفريل المنصرم، مقابل إعادة توجيه وتوطين سبعة آلاف مهندس وخبير تقني نحو المشاريع المباشرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتطوير المنتجات والخدمات الذكية ذات الصلة، وتهدف هذه القرارات الإستراتيجية الصارمة إلى ضغط النفقات التشغيلية وتركيز الطاقات اللوجستية والبشرية حول الأنظمة التفاعلية، مع توقّع ظهور النتائج الإيجابية المباشرة لهذه المخططات الهيكلية في غضون فترة تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر.
ورصدت المجموعة ميزانية استثمارية قياسية تتراوح بين 125 و145 مليار دولار للعام الجاري، تمّ توجيهها بصفة أساسية للأبحاث القاعدية وتطوير البنى التحتية للمعلومات وبناء مراكز البيانات فائقة القدرة واقتناء الشرائح الإلكترونية الدقيقة، وهو ما يمثل زيادة محورية مقارنة بنفقات السنة الماضية، وتزامن ذلك مع لجوء المجموعة في فترة الخريف الماضي إلى أسواق السندات لطرح أدوات دين وجمع ثلاثين مليار دولار لتمويل هذه التوسّعات التكنولوجية الضخمة وضمان تشغيل الخوادم العملاقة لتوليد النصوص والأصوات الحية.
وتشير القراءات المستفيضة لواقع الأسواق إلى تسيد حالة من الترقب والبحث المستمر في أوساط المستثمرين بشأن التوجهات الإستراتيجية للمجموعة وقدرتها على تحقيق التوازن الدقيق بين الأهداف بعيدة المدى المرتبطة بالوصول إلى “الذكاء الاصطناعي الفائق” (المشابه للقدرات البشرية)، ومتطلبات الربحية الفورية المبنية على العوائد التقليدية للإعلانات الرقمية في المدى القصير، خاصة عقب فترات شهدت تذبذبا في القيمة السوقية للمجموعة وتراجعا لأسهمها في البورصة.
وتسعى المؤسسة إلى تجاوز العثرات التقنية والتجارية السابقة، لا سيما الأداء التجاري المحدود لنظاراتها الذكية وتحديات الأداء المرتبطة بنموذج المساعد الافتراضي “ميتا أيه آي” بالمقارنة مع نموذج “لاما 4” أو حلول المنافسين، وتعتمد إستراتيجية المجموعة الحالية على استقطاب كفاءات الصف الأول والعلماء البارزين في وادي السيليكون، عبر رصد مكافآت مالية وعقود ملايينية مغرية، إلى جانب الاستحواذ على شركات ناشئة متخصّصة مثل مختبر “سكيل أيه آي” ومؤسسة “مانوس” للذكاء الاصطناعي العميل ذات الأصول الصينية، لدعم مختبرها المركزي وتطوير نماذج محادثة متقدمة مثل نموذج “ميوز سبارك” ونموذج توليد الصور “ميوز إيماج” المدمجين في منصات التواصل.
وعلى مستوى البنية التحتية الصلبة، باشرت المجموعة تشييد مراكز بيانات عملاقة عبر جغرافيا العالم، شملت مشروعا ضخما في ولاية ميسيسيبي بقيمة عشرة ملايير دولار، وآخر في كندا بقيمة تسعة ملايير دولار، بالتوازي مع الشروع في تصميم وتصنيع رقاقات إلكترونية ومعالجات دقيقة خاصة بالمجموعة لتسيير عمليات المعالجة المعقّدة، وذلك في إطار شراكة إستراتيجية ممتدة مع شركة “برودكوم” العالمية.
وفي إطار تنويع آليات الربحية ومصادر الدخل، تتجّه “ميتا” نحو استغلال قدرات الحوسبة السحابية الفائضة لديها وتأجيرها للمطورين والشركات الخارجية بأسعار تفوق تكلفة الإنتاج الأصلية نظرا للطلب المتزايد على طاقات الحساب الرقمي، مع إمكانية تسويق نماذجها اللغوية كخدمات مدفوعة الأجر، مقتدية في ذلك بالخطوات الاستثمارية الناجحة للشركات الكبرى في قطاع التكنولوجيا مثل “أمازون” و«مايكروسوفت” و«غوغل”، ومقتفية أثر خطوة شركة “سبايس إكس” في تأجير جزء من بنيتها التحتية الرقمية للمؤسسات الناشئة.
ويبرز التوجّه نحو إدماج أدوات صناعة الألعاب المصغّرة والمحتويات التفاعلية والبرمجيات الترفيهية مثل تطبيق “بوكيت” التابع لشركة “جيزمو” ومنصة “أرينا” الافتراضية عبر شبكات التواصل الاجتماعي التابعة للمجموعة (فيسبوك، إنستغرام، وواتساب) كركيزة أساسية لتعزيز تفاعل المستخدمين والشباب والرفع من معدلات الاستخدام اليومي والعوائد الإعلانية المستهدفة، مما انعكس إيجابا على مؤشرات ثقة الأسواق المالية التي سجّلت ارتفاعا في أسهم شركة “ميتا” بنسبة سبعة بالمائة مع افتتاح التداولات الرسمية في بورصة “وول ستريت”.





