يواصل الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، ضمن ركنه القار “أغنية وحكاية”، استعادة الأعمال الموسيقية التي ارتبطت بالذاكرة الجزائرية، والوقوف عند حكايات أغان تجاوزت وظيفتها الفنية لتتحوّل إلى وثائق تحفظ تفاصيل من تاريخ الوطن، وتختزن مشاعر أجيال كاملة عاشت محطات مفصلية من مسيرة الجزائر.
ومن بين هذه الأعمال، تبرز أغنية “الحمد لله ما بقاش استعمار في بلادنا”، التي ارتبطت بواحدة من أكثر اللحظات رسوخا في الوجدان الجزائري: لحظة انعتاق الوطن من الاستعمار وبزوغ فجر الاستقلال.
لم تكن الأغنية الشعبية الجزائرية، على امتداد تاريخها، مجرد وسيلة للترفيه أو التعبير الجمالي، فقد شكّلت مرآة صادقة عكست حياة الجزائريين وأحوالهم وتطلعاتهم، وحملت في كلماتها وألحانها تفاصيل مجتمع ظلّ متشبثا بخصوصيته وهويته.
ومن خلال الشعر الملحون والألحان المتوارثة، استطاع الجزائريون أن يحفظوا جوانب واسعة من ذاكرتهم الجماعية، وأن يجعلوا من الفن وسيلة لمقاومة محاولات الطمس والاحتلال والاستيطان الثقافي.
وفي هذا السياق، جاءت أغنية “الحمد لله ما بقاش استعمار في بلادنا” لتعبّر عن مشاعر شعب عاش أكثر من 130 سنة تحت نير الاستعمار، قبل أن يخوض ثورة تحريرية كبرى امتدت لأكثر من سبع سنوات، قدم خلالها تضحيات جساما في سبيل استرجاع السيادة الوطنية. ولذلك، لم تكن الأغنية مجرّد عمل فني جديد، بل كانت تعبيرا عن إحساس جماعي بالتحرّر، وترجمة لفرحة وطن كان يتهيأ لفتح صفحة جديدة من تاريخه.
ففي الأشهر الأولى من سنة 1962، وبينما كانت بشائر الحرية تلوح في الأفق، طُلب من عميد الأغنية الشعبية الجزائرية، الحاج محمد العنقا، إنجاز عمل فني يخلد اللحظة التي انتظرها الجزائريون طويلا، وكان اختيار هذا الفنان الكبير، صاحب المكانة الراسخة في تاريخ الأغنية الشعبية، ذا دلالة خاصة، بالنظر إلى قدرته على تحويل المشاعر الجماعية إلى كلمات وألحان قريبة من وجدان الناس.
استجاب الحاج محمد العنقا للنداء، فصاغ أغنية حملت عنوانا مباشرا وواضحا، اختزل في عباراته إحساسا عميقا بالفرح والانتصار: “الحمد لله ما بقاش استعمار في بلادنا”، ومن خلال هذا العمل، تحوّلت فرحة الخلاص من الاستعمار إلى خطاب غنائي جماعي، يعبّر عن مشاعر الجزائريين وهم يترقبون ميلاد الجزائر المستقلة، بعد سنوات طويلة من المقاومة والكفاح.
وقبل يومين من الإعلان الرسمي عن الاستقلال، أدى الحاج محمد العنقا الأغنية لأول مرة أمام مجموعة من أصدقائه بالقرب من قصبة الجزائر، في وقت كانت البلاد تعيش لحظات تاريخية استثنائية. كانت الجزائر آنذاك على موعد مع تحوّل كبير سيغير مسار تاريخها، وكانت مشاعر الجزائريين تتأرجح بين الترقّب والفرح، في انتظار الإعلان عن نهاية مرحلة استعمارية طويلة وبداية عهد جديد.
وبعد أشهر قليلة، خرجت الأغنية من فضائها الأول لتصل إلى جمهور واسع، حين قدمها الحاج محمد العنقا أمام جمهور غفير بقاعة الأطلس بالعاصمة، خلال الاحتفال بأول ذكرى لاندلاع ثورة أول نوفمبر المجيدة، وقد اكتسب ذلك العرض أهمية خاصة بحضور رئيس الجمهورية الراحل أحمد بن بلة، إلى جانب عدد من الشخصيات الوطنية والعالمية، من بينهم الثائر الأرجنتيني تشي غيفارا، لتصبح الأغنية جزءا من مشهد احتفالي يجمع بين ذاكرة الثورة وفرحة الاستقلال.
ومنذ ذلك الحين، واصلت “الحمد لله ما بقاش استعمار في بلادنا”، حضورها في الذاكرة الوطنية، وظلت تتردّد كلما حلت المناسبات التي يستحضر فيها الجزائريون تاريخ وطنهم وتضحيات شهدائهم ومجاهديهم. فالأغاني التي تولد من رحم اللحظات الكبرى لا تنتهي بانتهاء المناسبة التي واكبتها، بل تواصل حياتها مع الأجيال، لأنها تحمل في كلماتها وألحانها جزءا من الذاكرة الجماعية.
وتظلّ الأغنية، المصرح بها لدى الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، إرثا فنيا وثقافيا خالدا، يبرز قدرة الإبداع على حفظ التاريخ بلغة قريبة من الناس، فهي ليست مجرد لحن يرافق احتفالات الاستقلال، وإنما شهادة فنية على فرحة شعب انتظر طويلا لحظة التحرّر، وذاكرة حية تروي للأجيال قصة وطن انتزع حريته بالإيمان الراسخ والتضحيات الجسام.
وهكذا، تستعيد “أغنية وحكاية” من خلال هذا العمل إحدى الأغنيات التي اختزلت في كلماتها البسيطة حدثا عظيما، مؤكدة أن الأغنية الوطنية الجزائرية كانت، ولا تزال، جزءا من الذاكرة التي تحفظ تفاصيل المسيرة التحريرية، وتمنح التاريخ صوتا يظلّ مترددا في الوجدان جيلا بعد جيل.






