الجزائــر.. قـــوة اقتصاديـــة إقليميــــة رائـــدة ونمــوذج صناعـــــي
تشهد العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والعديد من الدول الإفريقية تحوّلا نوعيا يتجاوز مفهوم التبادل التجاري التقليدي للسلع، ليرتقي إلى بناء شراكات صناعية متكاملة ونقل فعلي للخبرات والمعارف التكنولوجية. وتنظر دول القارة إلى الجزائر باهتمام وتقدير، باعتبارها حاضنة للصناعة الإفريقية وقاطرة للتكامل الاقتصادي القاري.
تأتي هذه الديناميكية المتصاعدة بالتزامن مع التفعيل الفعلي لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، ومع تنامي توجّه الدول الإفريقية نحو تحقيق مستويات أكبر من الإدماج المحلي وتوطين التصنيع. وفي هذا السياق، تبرز الجزائر كقوة اقتصادية إقليمية رائدة، تقدّم نموذجا صناعيا يقوم على نقل الخبرة وتطوير القدرات المحلية، بما يتلاءم مع خصوصيات البيئة الاقتصادية الإفريقية، ويعكس رؤيتها الاستراتيجية تجاه القارة.
تتجلّى الريادة الجزائرية في عدد من القطاعات الاستراتيجية، على رأسها الصناعات الكهرومنزلية والإلكترونية، حيث أصبحت الجزائر مركزا إقليميا مهما بفضل تطور قدراتها الإنتاجية وارتفاع نسب الإدماج المحلي، إلى جانب امتلاكها مجمّعات صناعية كبرى.
وباتت العديد من الدول الإفريقية تتطلّع إلى الاستفادة من التجربة الجزائرية في إنشاء وحدات تجميع وتصنيع عبر خطوط إنتاج مشتركة، إلى جانب الحصول على الخبرة التقنية في مجالات الهندسة الصناعية، ومعايير الجودة، والتكوين المتخصّص. وتشمل هذه الشراكات تدريب التقنيين والإطارات الإفريقية داخل مراكز التكوين التابعة للمجمّعات الصناعية الجزائرية، بما يضمن استمرارية نقل المعرفة وتطوير الكفاءات المحلية.
وفي مجال الصناعات الكهربائية والطاقة، تقود مؤسّسات وطنية كبرى، على غرار تجمّع الصناعات الكهربائية الجزائري ومجمّع “سونلغاز”، جهودا واسعة لنقل الخبرات في تصنيع المعدات الكهربائية، من محوّلات وكابلات وعدادات، إلى جانب تحديث شبكات النقل والتوزيع. ومن خلال فروعها المتخصّصة، تشارك الجزائر في مشاريع ميدانية لتأهيل شبكات الكهرباء وتكوين الكوادر المحلية في عدد من الدول الإفريقية، مثل السنغال وتنزانيا والنيجر وتشاد، ما يعزّز دورها كشريك استراتيجي في دعم أمن الطاقة بالقارة.
وامتد هذا الزخم إلى قطاعات حيوية أخرى، في مقدمتها الصناعة الصيدلانية والمستلزمات الطبية، حيث دفع التطور الذي حقّقته الجزائر في تغطية احتياجاتها الوطنية من الأدوية عددا من دول غرب ووسط إفريقيا، إلى طلب الاستفادة من خبرتها في إنشاء وحدات الإنتاج وتطوير المخابر المتخصّصة في المراقبة والتصنيع الدوائي، بالاعتماد على تجارب ناجحة مثل مجمّع “صيدال”.
وبالموازاة مع ذلك، وفي قطاع مواد البناء والحديد والصلب، ومع تسجيل فائض في الإنتاج المحلي، توجّهت الجزائر نحو تصدير الخبرة الصناعية إلى جانب المنتجات، من خلال نقل تقنيات تسيير المجمّعات الصناعية الكبرى وإبرام عقود مناولة تساهم في تطوير مشاريع البنية التحتية الإفريقية وفق معايير صناعية محلية، ما يعكس مستوى متقدّما من النضج الصناعي.
تطوير القاعدة الصناعية وتكثيف التبادلات
من أجل تجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع، اعتمدت الجزائر منظومة متكاملة من الآليات الداعمة، انتقلت من تصدير المنتجات النهائية إلى إقامة شركات مشتركة للإنتاج داخل الدول الإفريقية المستفيدة. ويعزّز هذا المسار إنشاء مراكز للتكوين والتدريب تستقبل بعثات وإطارات تقنية إفريقية، إلى جانب التوسّع في إنشاء فروع بنكية جزائرية خارج الوطن، على غرار البنك الجزائري السنغالي وبنك الاتحاد في موريتانيا، بهدف تسهيل تمويل المشاريع الصناعية. كما تؤدي المعارض والمجالس الاقتصادية دورا محوريا في ربط المتعاملين الجزائريّين بنظرائهم في القارة، وفتح آفاق جديدة للتعاون والاستثمار المشترك.
وتجسّدت هذه الرؤية الاستراتيجية خلال اللقاءات رفيعة المستوى التي احتضنتها الجزائر، حيث شهد الأسبوع الجاري زيارة وزير التعاون وترقية الشراكة بين القطاعين العام والخاص بجمهورية الكونغو، دينيس كريستيل ساسو نغيسو، إلى الجزائر.
وتناول اللقاء الذي جمع الوزير الكونغولي بوزير الصناعة الجزائري يحيى بشير، آفاق تطوير التعاون الثنائي وإقامة شراكات عملية قائمة على مبدأ المنفعة المتبادلة. وشهدت المباحثات مشاركة المديرين العامين لمجمّعات الإسمنت والصناعات الميكانيكية والكهرباء، إلى جانب ممثل عن مجمّع “مدار”، حيث تم التركيز على قطاعات الحديد والصلب ومواد البناء والصناعات الكيماوية والميكانيكية والإلكترونية، مع التأكيد على أهمية الاستفادة من التجربة الجزائرية في تطوير القاعدة الصناعية وتعزيز التبادلات التقنية.ويكتسي هذا التوجّه الجزائري أبعادا استراتيجية تتجاوز المكاسب الاقتصادية المباشرة، لترسّخ مفهوم التعاون “جنوب-جنوب”، من خلال تقديم خبرات وحلول صناعية تتلاءم مع احتياجات الدول الإفريقية وإمكاناتها الاقتصادية.وبهذه المقاربة، تساهم الجزائر بفعالية في بناء مستقبل صناعي للقارّة، عبر دعم التصنيع المحلي، وتعزيز نقل التكنولوجيا، وترسيخ مكانتها كحاضنة للصناعة الإفريقية وشريك رئيسي للدول الطامحة إلى تحقيق التنمية الاقتصادية.





