يُعدّ تولّي الجزائر رئاسة مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي ابتداءً من الفاتح من أوت المقبل محطة تتجاوز التداول الدوري على رئاسة إحدى الهيئات القارية، إذ يمثل تتويجًا لمسار طويل من الالتزام الدبلوماسي بخدمة السلم والأمن في إفريقيا. وبفضل رصيدها التاريخي، ومبادراتها العملية، ورؤيتها القائمة على الحوار والتنمية واحترام سيادة الدول، تمتلك الجزائر مقومات تؤهلها للإسهام بفعالية في دفع الجهود الإفريقية نحو قارة أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا.
تستعد الجزائر لتولي رئاسة مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي مطلع الشهر المقبل، ويكتسي هذا الاستحقاق أهمية خاصة، باعتباره محطة مؤسساتية ضمن آليات الاتحاد الإفريقي، كما يعكس الثقة المتجددة التي تحظى بها الدبلوماسية الجزائرية في القارة، ويؤكد المكانة التي رسختها الجزائر عبر عقود بوصفها فاعلًا محوريًا في ترقية السلم والأمن في إفريقيا.
ويأتي هذا الاستحقاق في عالم تتزايد فيه التحديات المشتركة، وفي لحظة إقليمية ودولية تتسم بتشابك الأزمات وتنامي التهديدات الأمنية العابرة للحدود، حيث يبقى الرهان الأساسي هو ترسيخ الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية، وهو الرهان الذي جعلته الجزائر، منذ استقلالها، جزءًا أصيلًا من رسالتها الدبلوماسية في القارة.
دلالات وتحديــــات
يحمل تولي الجزائر رئاسة مجلس السلم والأمن الإفريقي، في هذا الظرف الدقيق، دلالات سياسية ودبلوماسية متعددة. فهو يعكس، أولًا، تقدير الدول الأعضاء لخبرة الجزائر في إدارة الملفات الأمنية المعقدة، كما يتيح، ثانيًا، فرصة لتعزيز فعالية المجلس في مواجهة الأزمات المتصاعدة في السودان، ومنطقة الساحل، والقرن الإفريقي، وشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.
ومن المنتظر أن تركز الرئاسة الجزائرية على عدة أولويات، في مقدمتها تنشيط الدبلوماسية الوقائية، وتعزيز آليات الإنذار المبكر، ودعم جهود الوساطة الإفريقية في بؤر التوتر، وتعزيز التنسيق بين مجلس السلم والأمن والمجموعات الاقتصادية الإقليمية، إلى جانب تطوير آليات تمويل عمليات دعم السلام الإفريقية بما يعزز استقلالية القرار الإفريقي، مع إيلاء اهتمام خاص للترابط بين الأمن والتنمية والتغيرات المناخية في مناطق الهشاشة.
تجديـــــد فـي ظــل الاستمراريــــة
حقق مجلس السلم والأمن الإفريقي نتائج معتبرة في إدارة أزمات القارة، انطلاقًا من مبدأ «الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية». ومن المنتظر أن تواصل الرئاسة الجزائرية المقبلة البناء على الجهود السابقة، وأن تضفي عليها زخمًا جديدًا يستند إلى خبرة دبلوماسية متراكمة وشبكة واسعة من العلاقات مع مختلف الفاعلين الأفارقة.
وتدرك الجزائر أن تحديات القارة تستدعي شراكات إفريقية متوازنة تقوم على الحوار، والثقة المتبادلة، والمسؤولية المشتركة. وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، تبدو الجزائر مؤهلة للقيام بدور جامع يسهم في تقريب وجهات النظر، وتغليب الحلول السياسية، وتعزيز صوت إفريقيا في المحافل الدولية بشأن قضايا السلم والأمن.
رؤية جزائريــة شاملـــة للأمـــن الإفريقــــي
تنظر الجزائر إلى الأمن في إفريقيا باعتباره منظومة متكاملة تشمل التنمية، والحكم الراشد، والعدالة الاجتماعية، ومكافحة الفقر والتهميش، وهي عوامل تشكل، في كثير من الأحيان، البيئة الحاضنة للنزاعات والتطرف العنيف.
وتقوم المقاربة الجزائرية على مجموعة من المبادئ المتكاملة، تتمثل في أولوية الحلول السياسية والحوار الشامل، واحترام سيادة الدول ووحدتها الترابية، وتعزيز الملكية الإفريقية لمعالجة الأزمات بعيدًا عن الإملاءات الخارجية، والربط بين الأمن والتنمية، لا سيما في المناطق الهشة، إلى جانب تقوية مؤسسات الاتحاد الإفريقي وآليات الإنذار المبكر والوقاية من النزاعات.
وتنسجم هذه الرؤية الجزائرية المتكاملة مع أجندة الاتحاد الإفريقي 2063، التي تجعل من «إسكات البنادق» هدفًا استراتيجيًا لبناء إفريقيا مزدهرة وآمنة ومندمجة.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، تواصل الجزائر التأكيد على قناعتها بأن السلم والأمن في إفريقيا يتحققان من خلال تعاون إفريقي فعال يقوم على التضامن، واحترام سيادة الدول، وتعزيز التنمية المستدامة. ومع توليها رئاسة مجلس السلم والأمن الإفريقي، تبرز أمامها فرصة جديدة لتجسيد هذه الرؤية والمساهمة في بناء قارة آمنة ومستقرة ومزدهرة، وفاءً لتاريخها النضالي ودورها المحوري داخل الفضاء الإفريقي.
إرث دبلوماســي راســــخ
تجسد الثقة المتجددة التي تحظى بها الجزائر ثمرة إرث دبلوماسي راسخ. فمنذ استقلالها سنة 1962، جعلت الجزائر من دعم حركات التحرر الوطني، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، ثوابت راسخة في سياستها الخارجية.
وقد مكّنها هذا النهج من بناء رصيد معتبر من المصداقية لدى الدول الإفريقية، والاضطلاع بأدوار وساطة وتوفيق في عدد من الأزمات الإقليمية.
وأثبتت المبادرات الجزائرية في استتباب الأمن والسلم القاريين نجاعتها، وهو ما عزز ثقة المؤسسات الإفريقية في مصداقية الدبلوماسية الجزائرية. ومن أبرز هذه المبادرات اتفاق السلم والمصالحة في مالي، حيث تُعد الوساطة الجزائرية في الأزمة المالية من أهم الإسهامات الدبلوماسية خلال العقد الأخير.
واحتضنت الجزائر جولات الحوار بين الحكومة المالية والحركات الموقعة، وتُوجت الجهود بتوقيع اتفاق السلم والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر سنة 2015. ورغم الصعوبات التي واجهت تنفيذ الاتفاق، ظل مسار الجزائر المرجعية الأساسية لأي مقاربة سياسية شاملة للأزمة المالية.
كما دعمت الجزائر مسارات المصالحة في ليبيا ومنطقة الساحل، وواصلت خلال السنوات الأخيرة جهودها لدعم الحلول السياسية في ليبيا، من خلال تشجيع الحوار بين الأطراف الليبية ورفض التدخلات الأجنبية التي من شأنها تعقيد الأزمة.
وكثفت الجزائر مشاوراتها مع دول الساحل والشركاء الأفارقة من أجل بلورة مقاربات جماعية تعالج جذور الأزمات، وتحد من انتشار الإرهاب والاتجار غير المشروع بالسلاح والبشر.
وفي إطار ترسيخ الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية، بادرت الجزائر سنة 2010 إلى إنشاء لجنة الأركان العملياتية المشتركة، بهدف تعزيز التنسيق الأمني، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في منطقة الساحل.
وقد شكلت هذه الآلية نموذجًا للتعاون الإقليمي القائم على المسؤولية المشتركة واحترام سيادة الدول.
كما تحتضن الجزائر المركز الإفريقي للدراسات والبحوث حول الإرهاب، التابع للاتحاد الإفريقي، الذي أصبح منصة قارية لتبادل الخبرات والمعلومات وبناء القدرات في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، بما يعكس التزام الجزائر بدعم المقاربة الإفريقية لمواجهة التهديدات الأمنية المستجدة.



