تنويـــع الشركــاء يؤسـس لهندســـة جيـو اقتصاديـــــة جديــدة
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وما أفرزته الأزمات الدولية المتلاحقة من إعادة ترتيب لأولويات الدول وتحالفاتها الاقتصادية، تبرز الجزائر ضمن الدول التي أعادت صياغة مقاربتها للعلاقات الاقتصادية الخارجية، من خلال استراتيجية تقوم على تنويع الشركاء وتوسيع مجالات التعاون، بما يعزز استقلالية القرار الاقتصادي الوطني، ويحد من مخاطر الارتهان لشريك أو سوق واحدة. كما تتبلور ملامح دبلوماسية اقتصادية جديدة تستند إلى البراغماتية وقاعدة «رابح ـ رابح».
يرى البروفيسور عبد القادر بريش، الخبير الاقتصادي المهتم بالقضايا الجيوسياسية والجيواقتصادية، في تصريح لـ«الشعب»، أن هذا التوجه يعكس تحولا نوعيا في فلسفة السياسة الاقتصادية الجزائرية، التي أصبحت تنظر إلى الشراكات الخارجية باعتبارها رافعة للتنمية الداخلية وأداة لتعزيز السيادة الاقتصادية، إلى جانب دورها في تنشيط المبادلات التجارية والخدمية.
وأوضح أن ما شهده العالم منذ جائحة كوفيد-19، مرورا بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولا إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، أكد أن الاقتصادات التي تعتمد على شريك اقتصادي واحد تصبح أكثر عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية، وهو ما دفع الجزائر إلى اعتماد مقاربة أكثر توازنا في بناء علاقاتها الدولية، تقوم على إنشاء شبكة واسعة ومتنوعة من الشركاء، وتعظيم فرص التعاون.
وأشار المتحدث إلى أن الانفتاح المتوازن على إيطاليا وألمانيا وإسبانيا يجسد هذا التوجه، باعتبار أن هذه الدول تمثل أبعادا متكاملة في المشروع الجيواقتصادي الجزائري، سواء في مجالات الطاقة أو الصناعة أو التكنولوجيا أو التجارة والخدمات اللوجستية، بما يسمح ببناء شبكة علاقات أكثر مرونة وقدرة على مواكبة التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
تنويع الشركـــاء… رؤيــــة تتجـــاوز الظرفيـــة
وأكد بريش أن تنويع الشركاء الاقتصاديين لم يعد خيارا فرضته التطورات الدولية، وإنما تحول إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تستهدف حماية الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته على مواجهة الصدمات الخارجية، خاصة في ظل احتدام المنافسة بين القوى الاقتصادية الكبرى، وتزايد أهمية الجيواقتصاد في صياغة موازين القوة الدولية.
وأضاف أن الجزائر تسعى اليوم إلى إعادة هندسة علاقاتها الاقتصادية وفق مقاربة أكثر توازنا واستقلالية، تقوم على عدم الارتهان لأي محور اقتصادي، وتنويع الشركاء مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الفاعلين الدوليين.
وأشار إلى أن هذا الخيار لم يعد مجرد سياسة تجارية، بل أصبح أحد أعمدة الأمن الاقتصادي الوطني، وأداة لتعزيز السيادة الوطنية في عالم يتجه بسرعة نحو التكتلات الإقليمية والمنافسة الجيواقتصادية الحادة.
وينسجم هذا التوجه مع الإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، والرامية إلى تحسين مناخ الأعمال، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتنويع مصادر الدخل الوطني، بما يدعم التحول نحو اقتصاد أكثر تنافسية واستدامة.
إيطاليا… من شريك طاقوي إلى حليف استراتيجي
وفي تحليله للعلاقات الجزائرية الإيطالية، اعتبر البروفيسور بريش أن إيطاليا أصبحت اليوم الشريك الأوروبي الأكثر ديناميكية بالنسبة للجزائر، بعدما تجاوز التعاون بين البلدين الإطار التقليدي المرتبط بالغاز الطبيعي، ليتحول إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل الاستثمار والصناعة والبنية التحتية والطاقات المتجددة.
وأوضح أن الموقع الجغرافي للبلدين يمنحهما ميزة استراتيجية فريدة، حيث تمثل الجزائر البوابة الشمالية للقارة الإفريقية، فيما تمثل إيطاليا المدخل الجنوبي للقارة الأوروبية، وهو ما يفتح المجال أمام إقامة فضاء اقتصادي متكامل يربط بين ضفتي المتوسط ويعزز المبادلات التجارية والاستثمارية.
وأشار إلى أن الأزمة الطاقوية التي عرفتها أوروبا أعادت رسم خريطة أمن الطاقة الأوروبي، وأسهمت في تعزيز مكانة الجزائر موردا موثوقا للطاقة، في الوقت الذي عززت فيه إيطاليا دورها مركزا إقليميا لإعادة توزيع الغاز نحو الأسواق الأوروبية، الأمر الذي خلق، بحسبه، تقاطعا واضحا في المصالح الاستراتيجية بين البلدين.
ولفت إلى أن التعاون بين الجزائر وروما لم يعد يقتصر على صادرات الغاز، بل أصبح يشمل مشاريع استراتيجية مرتبطة بالهيدروجين الأخضر، والربط الكهربائي، وتطوير الطاقات المتجددة، وهي مشاريع من شأنها تعزيز موقع الجزائر في مسار التحول الطاقوي العالمي، ومنحها مكانة أكبر داخل السوق الأوروبية للطاقة النظيفة.
ويرى أن هذا التطور يعكس انتقال العلاقات الثنائية من مرحلة التعاون القطاعي إلى مرحلة الشراكة الجيواقتصادية الشاملة، القائمة على تكامل المصالح الاقتصادية والطاقوية والاستثمارية، بما يخدم أهداف التنمية في البلدين ويعزز استقرار الفضاء المتوسطي.
ألمانيــــا… التكنولوجيـــــا والصناعــــة
وعن العلاقات مع ألمانيا، أوضح البروفيسور بريش أن برلين تمثل البعد الصناعي والتكنولوجي في استراتيجية الجزائر لتنويع شركائها الاقتصاديين، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها الاقتصاد الألماني بوصفه أكبر اقتصاد صناعي في أوروبا، وما يمتلكه من خبرة رائدة في الصناعات الميكانيكية والكيميائية وصناعة السيارات والهندسة الصناعية والرقمنة.
وأكد أن الجزائر لا تنظر إلى التعاون مع ألمانيا من زاوية المبادلات التجارية فحسب، وإنما تسعى إلى استقطاب استثمارات منتجة قادرة على خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني، ونقل التكنولوجيا، وتطوير المؤسسات الصناعية الجزائرية، بما ينسجم مع الرؤية الجديدة الهادفة إلى بناء قاعدة إنتاجية أكثر تنوعا وتنافسية.
وفي الجانب الطاقوي، اعتبر بريش أن التعاون الجزائري-الألماني يشهد بدوره تحولا نوعيا، بعدما اتسع ليشمل مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة، إلى جانب تعزيز التعاون في مجالات التكوين المهني والبحث العلمي والصناعات التحويلية، بما ينسجم مع رؤية الجزائر لتنويع اقتصادها وتقليص الاعتماد على المحروقات.
وأضاف أن انخراط ألمانيا في مشاريع الهيدروجين الأخضر يمنح الجزائر فرصة لتعزيز مكانتها ممونا مستقبليا للطاقة النظيفة، مستفيدة من إمكاناتها الطبيعية وموقعها الجغرافي، فضلا عن المشاريع الإقليمية الجاري تطويرها لربط جنوب المتوسط بالأسواق الأوروبية.
ومن الناحية الجيوسياسية، يرى المتحدث أن توثيق العلاقات مع برلين يمنح الجزائر ثقلا إضافيا داخل الفضاء الأوروبي، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تضطلع به ألمانيا في رسم السياسات الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، بما يفتح آفاقا أوسع للحوار الاقتصادي والاستثماري مع مختلف الدول الأوروبية.
إسبانيـــــا… مصالـــــح مشتركـــة
وفي قراءته لمسار العلاقات الجزائرية الإسبانية، أكد البروفيسور بريش أن المؤشرات الأخيرة تعكس توجها واضحا نحو إعادة بناء الشراكة على أسس أكثر توازنا واحتراما للمصالح المتبادلة، بعد مرحلة من التوتر السياسي، مشيرا إلى أن منطق المصالح الاستراتيجية أثبت مجددا أنه العامل الحاسم في توجيه العلاقات الاقتصادية الدولية.
وأوضح أن إسبانيا تظل شريكا اقتصاديا مهما بالنسبة للجزائر، بحكم القرب الجغرافي، وحجم المبادلات التجارية، والبنى التحتية المشتركة، خاصة في مجالات الطاقة والنقل البحري.
وأضاف أن العلاقة بين البلدين تقوم على مفهوم «الاعتماد المتبادل»، فالجزائر تحتاج إلى السوق الإسبانية، كما تحتاج إسبانيا إلى الجزائر لضمان أمنها الطاقوي واستقرار فضائها المتوسطي، وهو ما يجعل من استعادة التعاون الاقتصادي مصلحة مشتركة للطرفين.
وأشار إلى أن استئناف الديناميكية الاقتصادية بين البلدين يعكس تغليب منطق المصالح الاستراتيجية على الخلافات الظرفية.
السيادة الاقتصادية… جوهر استراتيجية تنويع الشركاء
وشدد البروفيسور بريش على أن جوهر الاستراتيجية الجزائرية لا يكمن في استبدال شريك اقتصادي بآخر، وإنما يعكس فلسفة جديدة في إدارة العلاقات الاقتصادية الدولية، تقوم على توزيع مراكز القوة الاقتصادية وعدم رهن التنمية الوطنية بجهة واحدة.
وأشار، في السياق نفسه، إلى أن الجزائر تعمل على بناء شبكة متوازنة من العلاقات الاقتصادية الدولية تجعلها أكثر قدرة على المناورة، وأكثر استعدادا للتعامل مع الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية في ظل التحولات الدولية، بما يضمن استقلالية القرار الوطني ويحد من تأثير التقلبات العالمية.
وأوضح أن تنويع الشركاء يتيح للاقتصاد الجزائري توزيع المخاطر، ويمنحه قدرة أكبر على التكيف مع الأزمات العالمية، كما يعزز القوة التفاوضية للجزائر في مختلف الملفات الاقتصادية والاستثمارية والطاقوية.
نحـو هندســــة جيــــــواقتصاديــــة جديـــــدة
وأكد الخبير الاقتصادي أن الجزائر تتجه إلى إعادة صياغة موقعها داخل الفضاء الأورو-متوسطي، من خلال رؤية استراتيجية تتجاوز دورها التقليدي كمصدر للطاقة، نحو ترسيخ مكانتها قوة جيواقتصادية صاعدة تربط بين أوروبا وإفريقيا، وبين المتوسط وعمقه الإفريقي، مستفيدة من موقعها الجغرافي وإمكاناتها الطاقوية والاقتصادية.
وأشار بريش إلى أن أهمية الشراكات التي تعمل الجزائر على تعميقها مع كل من إيطاليا وألمانيا وإسبانيا تكمن في أنها تشكل أضلاع مثلث استراتيجي متكامل، يتيح للجزائر تنويع مجالات التعاون والاستفادة من المزايا النسبية لكل شريك.
وأضاف أن إيطاليا تمثل محور التعاون في مجال الطاقة والربط المتوسطي، بالنظر إلى الدور الذي تؤديه في تعزيز أمن الطاقة الأوروبي، فيما تشكل ألمانيا شريكا رئيسيا في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والابتكار، بما تمتلكه من قاعدة صناعية متقدمة وخبرة في نقل التكنولوجيا وتطوير الصناعات ذات القيمة المضافة.
أما إسبانيا، فيرى المتحدث أنها تمثل محورا مهما للتجارة والخدمات اللوجستية والاندماج الاقتصادي في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط، بالنظر إلى القرب الجغرافي وتشابك المصالح الاقتصادية بين البلدين.وأكد البروفيسور بريش أن تكامل هذه الشراكات يمنح الجزائر فرصة للانتقال من اقتصاد يعتمد أساسا على تصدير الموارد الطبيعية إلى اقتصاد يوظف موقعه الجغرافي وإمكاناته الصناعية والطاقوية لبناء نفوذ جيواقتصادي مستدام، قادر على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
وشدد على أن استراتيجية تنويع الشركاء الاقتصاديين تعكس رؤية استراتيجية طويلة المدى تستهدف إلى تعزيز استقلالية القرار الوطني، وترسيخ الأمن الاقتصادي، وتعزيز مكانة الجزائر قوة إقليمية فاعلة في الفضاءين المتوسطي والإفريقي.
وفي السياق ذاته، اعتبر الخبير الاقتصادي أن تعميق الشراكات مع إيطاليا وألمانيا وإسبانيا يؤشر إلى بناء نموذج جديد للدبلوماسية الاقتصادية الجزائرية، تتحول فيه الشراكات الخارجية من مجرد تعاون تجاري إلى أدوات لدعم التنمية الداخلية، واستقطاب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
وخلص البروفيسور بريش إلى أن الجغرافيا السياسية والطاقوية أصبحت اليوم إحدى أهم ركائز النفوذ الاقتصادي، وأن الجزائر تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتوظيف موقعها الاستراتيجي في بناء شراكات متوازنة ومستدامة، تنسجم مع التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، حيث بات الجيواقتصاد أحد أبرز محددات القوة والتأثير في العلاقات الدولية.




