تخصيــص مـوارد أكـبر للتجهيـز وتحســــين جــــــودة الإنتــاج
يفتح الإحصاء الشامل للعقار الصناعي، الذي وجّه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بإطلاقه فورا الأسبوع الماضي، المجال أمام ضبط أحد أهم الموارد التي توفّرها الدولة للاستثمار، من خلال معرفة الأوعية المتاحة، وحالة استغلالها، ومدى تقدّم المشاريع المقامة عليها، بما يساعد على توجيه العقار إلى المستثمر القادر على الإنتاج وخلق مناصب الشغل، وتحديد المواقع التي تحتاج إلى تهيئة أو توسعة.
تكمن أهمية العملية في جمع المعلومة العقارية وربطها بالنشاط الاقتصادي، إذ يشمل التشخيص الأراضي المتاحة، والعقارات الممنوحة التي تأخّر إنجاز مشاريعها، والوحدات المستغلة فعليًا، مع تحديد احتياجات كل حالة، فالمصنع الذي بلغ حدود طاقته ويملك طلبات إضافية قد يحتاج إلى توسعة ترفع إنتاجه بسرعة، بينما يتطلّب المشروع المتوقّف معالجة أسباب تعطّله، سواء تعلّق الأمر بالربط بالشبكات أو بالإجراءات أو بالتزامات المستثمر.
كما يسمح إدراج الكهرباء والغاز والمياه والطرق ضمن بيانات العقار بتقييم قابلية المشروع للانطلاق، وتقدير كلفة تجسيده وآجاله. فالربط بين موقع الأرض وموارد المنطقة ووسائل النقل يساعد على توجيه الصناعات إلى الأماكن المناسبة، وتقريب وحدات التحويل الغذائي من مناطق الإنتاج الفلاحي، وربط مصانع التجهيزات بشبكات المناولة، بما يقلّص تكاليف التموين ويوفّر أساسًا أوضح للقرارات الاقتصادية على مستوى الولايات.
ويندرج هذا التوجّه ضمن مشروع الرقمنة الشاملة، وقد اقترنت التعليمات الرئاسية بتسريع رقمنة عمليات الاستثمار مع مصالح الضرائب وأملاك الدولة والجمارك. ويتيح هذا الترابط، عند استكمال تبادل البيانات، مقارنة ما يصرّح به المستثمر بما تحقّق ميدانيًا، وتحديث وضعية مشروعه باستمرار، فتتوفّر لصانع القرار صورة أقرب إلى الواقع عن الإنتاج والتشغيل والاحتياجات، وتتقلّص المساحات الرمادية الناتجة عن تشتّت المعلومات بين الإدارات.
وفي سياق متصل، قدّمت معالجة البرامج التقديرية للاستيراد مثالًا على أهمية هذه المقارنة، إذ أعلنت وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، في الخامس من سبتمبر، أنّ 3961 متعاملًا اقتصاديًا، يصرّحون بما بين صفر وخمسة عمّال، قدّموا طلبات استيراد للسداسي الثاني من 2026 بقيمة إجمالية بلغت 130.32 مليار دولار، وهي قيمة طلبات تقديرية، وليست واردات منفّذة أو مبالغ جرى تحويلها إلى الخارج.
ودفعت هذه المؤشّرات الوزارة إلى فتح تحقيق لمقارنة المواد والتجهيزات المستوردة بطبيعة النشاط والقدرات الإنتاجية وحجم التشغيل، ومن هنا يمكن أن يضيف إحصاء العقار عنصرًا مهمًا للتحقّق من وجود الوحدة الصناعية وتجهيزاتها ومساحتها الفعلية، مع قراءة عدد العمّال ضمن بقية المؤشّرات وطبيعة الصناعة، ثمّ الفصل في الحالات بناء على التحقيق، بما يحمي الموارد الموجّهة للإنتاج وييسّر تموين المؤسّسات الفعلية.
كما رصدت الوزارة تطابقات غير عادية في ملفات 1013 متعاملًا اقتصاديًا، شملت وثائق تخص العمّال والضرائب وبيانات أخرى، عبر المنصّة المدعمة بالذكاء الاصطناعي. وهو مثال عملي على فائدة جمع المعلومات ومقاطعتها، ويمكن تطبيق المقاربة نفسها على العقار بمقارنة السجلات الإدارية بالمعاينات الميدانية، للتحقّق من المستفيد والنشاط القائم، وتحديد الأراضي المعطّلة وأسباب تعطيلها، ثمّ توجيه المتابعة إلى الملفات التي تحتاج فعلًا إلى تدخّل أو تحقيق.
دعم المنتج الحقيقي ورفع الإدماج الوطني
يرتبط ضبط العقار أيضًا، بالتوجّه نحو تجاوز التركيب والتحويل المحدود، وتوسيع تصنيع المكونات والمدخلات محليا بمشاركة مؤسّسات مناولة جزائرية، فتتراجع الحاجة إلى استيراد الأجزاء الجاهزة وتزداد القيمة المضافة داخل البلاد، ويصبح تجاوز نسبة إدماج قدرها 50٪ مرتبطًا بقدرات إنتاج وتموين محلية يمكن التحقّق منها، وباستثمارات إضافية في المعدات والكفاءات الوطنية والتطوير.
وتوضّح الأرقام الإمكانات المتاحة، فقد أفاد المدير الفرعي للاستثمار الصناعي بوزارة الصناعة، في جوان 2025، بأنّ الصناعة الكهرومنزلية تغطي 83٪ من حاجات السوق المحلية، بنسب إدماج تصل إلى 80٪ لبعض المنتجات، مع التصدير إلى 36 بلدًا. وهي مؤشّرات تعكس تقدّم هذه الشعبة وقدرتها على توسيع حضورها الخارجي، وتبرز أهمية تمكين منتجيها ومناوليها من العقار الضروري للتوسّع.
وبالنسبة للصناعات الغذائية، أوضح المسؤول نفسه أنها تساهم بأكثر من نصف الناتج الصناعي خارج المحروقات، ما يبرز وزنها في تنويع الاقتصاد، ويفتح تطويرها مجالًا لزيادة استخدام المحاصيل الوطنية، وتوسيع صناعة التغليف والتخزين والتبريد محليًا. كما يسمح توجيه العقار إلى هذه الأنشطة بتقريب المؤسّسات المتكاملة، وتقليل ضياع المنتجات الفلاحية، وتوفير فرص عمل تتوزّع بين المصنع والخدمات المرتبطة به.
كما أنّ توفير عقار مهيّأ ومدعمّ يخفّف جزءًا من كلفة الاستثمار، ويتيح للمؤسّسة تخصيص موارد أكبر للتجهيز وتحسين الجودة. وتزداد فائدته عندما تستفيد منه شركات صغيرة تصنع قطعًا أو مواد تحتاجها وحدات كبرى، فتتوسّع المناولة الوطنية وتستقرّ عقود التموين، ويعزّز ذلك قدرة المؤسّسات على تلبية احتياجات يمكن إنتاجها في الجزائر.
وبالتالي، فإنّ الإحصاء المتجدّد للعقار الصناعي ومتابعة ما يضيفه كل مشروع جديد أو قديم إلى الاقتصاد، يمنح رؤية أكثر وضوحًا لواقع الصناعة في الجزائر، ويدعم الانتقال نحو صناعة أكثر تنظيمًا وقدرة على خلق القيمة ومناصب الشغل، خاصة مع انتظار دخول المشاريع الكبرى مرحلة الإنتاج في سنة 2027، وهي السنة التي يتوقّع فيها الخبراء أن تكون سنة الإقلاع الاقتصادي الحقيقي في الجزائر.


