التّطوّرات الأخيرة كشفت الدور الخبيث للإمارات وحقيقتها
أبو ظبي حاضرة في عديد الأزمات والنزاعات العربية والإفريقية الدموية
أفاد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة قالمة، الدكتور محمد الصالح جمّال، أن قرار الجزائر القاضي بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة «ليس مرتبطا بحادثة منفردة أو بخلاف ظرفي، وإنما نتيجة تراكم طويل من الاستفزازات»، لافتا إلى أنه «يمثل قرارا سياديا محسوبا، اتخذ بهدوء عندما أصبح ضروريا».
أوضح د – جمّال أن الجزائر «بحكم طبيعة سياستها الخارجية، لطالما فضّلت إبقاء قنوات الحوار مفتوحة حتى في أكثر الملفات تعقيدا»، انطلاقا من قناعة بأن العلاقات بين الدول تدار بمنطق ردود الفعل والحسابات الاستراتيجية ومحاولة احتواء الخلافات.
وفي هذا السياق، قال إن «من أبرز ما يفسر هذا التحول أن الجزائر تنظر إلى أمنها الوطني باعتباره منظومة مترابطة، تمتد بحكم الجغرافيا والتاريخ إلى فضائها المغاربي والمتوسطي وإلى منطقة الساحل»، ومن هذا المنطلق فإن «تحركات أي طرف خارجي داخل هذه الدوائر، خصوصا عندما تتقاطع مع أطراف لها أجندات معادية للجزائر وللمنطقة، تصبح محل متابعة دقيقة».
ووصف الأستاذ الجامعي القرار الذي اتخذته الجزائر بـ «الحكيم»، لافتا إلى أن «المنطقة تعيش منذ سنوات إعادة ترتيب للتحالفات، مع تزايد الحضور الصهيوني وتنامي التعاون العسكري والأمني بين الكيان الصهيوني وبعض دول المنطقة، خاصة مع المغرب».
وفي السياق ذاته، أوضح أنّ «الجزائر في مثل هذا الوضع لا تنظر إلى العلاقات الثنائية بين الدول باعتبارها شؤونا منفصلة»، وإنما «تدرس نتائجها المحتملة على التوازنات الإقليمية وعلى أمنها الاستراتيجي»، مشيرا إلى أن «أي تعاون عسكري أو استخباراتي» يمكن أن يجر المنطقة إلى حالة من الفوضى.
وأكّد د – جمّال أن «احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية وعدم احتضان النشاطات التي تستهدف أمنها الداخلي تشكل أسسا لا يمكن تجاوزها في العلاقات بين الدول».
السّاحل.. مجال حيوي للاستقرار الجماعي
وقدّم أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة قالمة مثالا عما يحدث في منطقة الساحل، مشيرا إلى أن «التطورات الأخيرة كشفت الإمارات على حقيقتها»، باعتبار أن «المنطقة أصبحت مسرحا لتنافس دولي وإقليمي واسع، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والطاقة والممرات التجارية».
والجزائر، كما استطرد، «باعتبارها دولة محورية في شمال إفريقيا وجارة مباشرة لعدد من دول الساحل، تتعامل مع هذه المنطقة باعتبارها مجالا حيويا للاستقرار الجماعي».
ويرى د – جمّال أن قرار الجزائر بقطع العلاقات مع الإمارات يؤكد أن «الجزائر مستعدّة لاستخدام الأدوات الدبلوماسية المتاحة عندما ترى أن أمنها أصبح موضع اختبار»، كما أن القرار «يوجه إشارة إلى مختلف الأطراف بأن الانفتاح والتعاون لا يعنيان القبول بأي ترتيبات تمس استقلالية القرار الجزائري وأمن المنطقة».
وخلص إلى أن «القرار يعكس انتقال الجزائر إلى مرحلة أكثر صرامة في إدارة علاقاتها الخارجية، تقوم على قاعدة مفادها أن الشراكات مرحب بها عندما تخدم الاستقرار والتنمية، لكن السيادة والأمن الوطني ووحدة الدولة تبقى خطوطا لا تخضع للمساومة».
واختارت الجزائر، وفق ما يؤكّد، في بيئة إقليمية شديدة التحول، أن تكون أكثر وضوحا في تحديد حدود المقبول في علاقاتها، وأن تجعل من قرارها الدبلوماسي أداة لحماية أمنها وموقعها الاستراتيجي والحفاظ على استقلالية قراراتها.
وضع السّلوك الإماراتي في سياقه الإقليمي
ولفهم خلفية الموقف الجزائري بصورة أوسع، يشدّد أستاذ العلوم السياسية على ضرورة «وضع السلوك الإماراتي في سياقه الإقليمي والدولي، بعيدا عن حدود العلاقة الثنائية فقط»، موضحا أنه «خلال السنوات الماضية، أصبحت الإمارات حاضرة في عدد من الأزمات العربية والإفريقية الأكثر تعقيدا».
وأضاف أن هذا الحضور أثار «انتقادات متكررة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية ومراكز بحث دولية، خصوصا عندما ارتبط اسمها بزعزعة الاستقرار وبالدعم السياسي أو العسكري لأطراف محلية متصارعة».
واستنادا إلى ذلك، «يبرز السودان باعتباره المثال الأحدث والأكثر حساسية»، حيث «وثقت تقارير دولية وحقوقية متتالية وجود مؤشرات على وصول أسلحة ومعدات عسكرية إلى قوات الدعم السريع عبر شبكات مرتبطة بالإمارات».
وتتجاوز المسألة السودان، حسبه، إلى ليبيا، حيث «سبق لخبراء الأمم المتحدة أن وثقوا انتهاكات متكررة لحظر السلاح المفروض على البلاد، مع ورود الإمارات ضمن أبرز الدول المتهمة بتقديم دعم عسكري لقوات خليفة حفتر».
وذكر أن «تقارير أممية وأبحاث متخصصة تظهر أن هذا الدعم ارتبط بإمدادات عسكرية وعمليات نقل ومساندة لوجستية، الأمر الذي ساهم في إطالة الصراع وتعقيد مسار التسوية السياسية».
وبرأيه، «تزداد حساسية هذا السلوك عندما يتعلق الأمر بالفضاء الذي تعتبره الجزائر امتدادا مباشرا لأمنها الاستراتيجي»، ذلك أن «الساحل وشمال إفريقيا لا يحتملان المزيد من الترتيبات التي تقوم على دعم أطراف متنافسة لإطالة أمد النزاعات، أو تحويل الأزمات المحلية إلى ساحات للتجاذب بين القوى الخارجية، وصولا إلى زعزعة الاستقرار».
وأشار إلى أن «الدور الإماراتي في ملفات المنطقة لم يعد ينظر إليه في العديد من الدراسات والتقارير باعتباره نشاطا اقتصاديا محضا، بقدر ما هو أجندة تخريبية كهدف لهذا الدور»، مضيفا أن «الثروة والاستثمار والموانئ وشبكات التجارة والنقل أصبحت في حالات عديدة مرتبطة بحسابات أوسع تتصل بالأمن والممرات البحرية والموارد الطبيعية ومواقع النفوذ الإقليمي».
حدود واضحة أمام أي تهديد للأمن الاستراتيجي
وانطلاقا من هذه المعطيات، «يمكن قراءة القرار الجزائري على ضوء تجربة إقليمية أوسع»، ذلك أن الجزائر «التي تنطلق في سياستها الخارجية من مبدأ عدم التدخل واحترام سيادة الدول ورفض تحويل الأزمات إلى ساحات للتدخل الخارجي، تجد نفسها أمام بيئة إقليمية تتزايد فيها أدوار الفاعلين الخارجيين المخربين والمزعزعين للأمن والاستقرار، وعلى رأسهم الإمارات».
ويعني رفع مستوى رد الدبلوماسية الجزائرية، حسب د – جمّال، «وضع حدود واضحة للإمارات أمام أي ترتيبات ترى فيها الجزائر تهديدا لاستقرارها أو لأمن واستقرار محيطها».
ويؤكّد القرار في حد ذاته «حكمة الجزائر وعقلانيتها في إدارة الخلافات»، لاسيما أنه جاء «بعد سنوات من ضبط النفس واستنفاد جميع القنوات الدبلوماسية»، مشدّدا على أن «الجزائر لا تبحث عن التصعيد، لكنها لا تسمح بأن يُفهم انفتاحها الدبلوماسي على أنه قبول بتجاوز ثوابتها أو مصالحها العليا».



