ارتفـــاع لافــت لعــدد بـــراءات الاخـــتراع لــدى معهـــد الملكيـة الصناعية
خطت الجامعة الجزائرية، خلال السنوات الأخيرة، مسارا إصلاحيا متسارعا، مدعوما بإنجازات نوعية وانفتاح استراتيجي على عوالم الابتكار والتكنولوجيا، ما أحدث تحولا عميقا في أدوارها ووظائفها، فقد ترسخ موقعها باعتبارها رافعة اقتصادية وقاطرة للابتكار والاقتصاد المعرفي، في إطار رؤية جعلت من البحث العلمي والتطوير التكنولوجي محركا أساسيا للتنمية.
أثمر المسار الإصلاحي الطموح الذي عرفته المنظومة الجامعية انفتاحا فعليا على منظومة الابتكار، بما عزز الربط بين التكوين الأكاديمي ومتطلبات السوق، ورسخ مساهمة الجامعة في بناء اقتصاد معرفي متنوع وقادر على مواكبة التحديات.
ويجسد الاجتماع الأخير الذي جمع وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، بالخبير الدولي مراد بوزيت، هذا التوجه المتقدم، ويعكس حجم الطموح الجزائري في مجال التكنولوجيات العميقة.
ويأتي العمل على تصميم وإنجاز نماذج أولية متطورة للروبوتات، من بينها الكلب الآلي متعدد الأطراف، والروبوت البشري، وروبوت التوصيل الذكي، ليشكل خطوة نوعية في تطوير الأنظمة المستقلة.
وتزداد أهمية هذه المشاريع من خلال إشراك طلبة المدارس الوطنية العليا المتخصصة، لاسيما مدارس الرياضيات والذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة، بالتعاون مع مركز البحث في التكنولوجيات الصناعية، مع توحيد هذه الجهود داخل قطب علمي وتكنولوجي متطور بمدينة سيدي عبد الله.
ويؤسس هذا التكامل بين الجامعات ومراكز البحث التطبيقية لنموذج متقدم من العمل التشاركي، يهدف إلى بناء منظومة وطنية متكاملة في مجال الروبوتيك، تعزز مكانة الجزائر ضمن الدول المطورة للتكنولوجيات المستقبلية.
ابتكــــارات فــي مجـــالات حيويــة
ولا تقتصر هذه المشاريع على مجال الروبوتيك، بل تندرج ضمن منظومة أوسع تعكس الحركية المتنامية للابتكار داخل الجامعة الجزائرية، والتي تجلت في الارتفاع اللافت لعدد براءات الاختراع المودعة لدى المعهد الوطني الجزائري للملكية الصناعية.
وأدركت الجامعات الجزائرية، وفي مقدمتها جامعات الوادي والمسيلة والجزائر 1، أن رسالتها تتجاوز التكوين الأكاديمي لتشمل تقديم حلول مبتكرة للإشكالات الاستراتيجية والاستجابة للاحتياجات الوطنية.
وانطلاقا من هذا التوجه، تركزت الابتكارات في قطاعات حيوية تمس الأمن الغذائي والمائي والصحي والطاقوي. ففي المجال البيئي، نجح الباحثون في تطوير تقنيات محلية لاستخلاص مادة البكتين من النفايات الغذائية لاستعمالها في تنقية المياه وإعادة تدويرها، بما يوفر حلا يجمع بين البعدين البيئي والاقتصادي.
وفي مجال الفلاحة الذكية، يجري توظيف خوارزميات الذكاء الاصطناعي وقواعد البيانات المحلية للكشف المبكر عن أمراض النباتات، وتسيير أنظمة الري المحوري بالمناطق الصحراوية، بما يعزز الأمن الغذائي في ظل التحديات المناخية.
كما شملت الابتكارات تطوير أجهزة دقيقة لقياس الجرعات الإشعاعية، واستخلاص مركبات طبية من النباتات المحلية، إلى جانب ابتكار أنظمة آلية لتنظيف وتبريد الألواح الشمسية في المناطق الصحراوية، بما يرفع كفاءة إنتاج الطاقة المتجددة، فضلا عن تطوير خوارزميات لمعالجة اللغة العربية وتحسين إدارة شبكات توزيع الكهرباء.
القرار 1275.. ركيزة الابتكار الجامعي
ولفهم أبعاد النهضة البحثية والابتكارية التي تشهدها الجامعة الجزائرية، تبرز أهمية التحول الفكري والقانوني الذي قادته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، من خلال القرار الوزاري رقم 1275، الذي يمثل حجر الأساس في استراتيجية الابتكار الجامعي.
وقد أتاح هذا القرار للطلبة في مراحل الليسانس والماستر والدكتوراه تحويل مشاريع التخرج إلى مؤسسات ناشئة أو مؤسسات مصغرة أو براءات اختراع قابلة للتثمين والتسويق، بما أحدث نقلة نوعية في فلسفة التكوين الجامعي.
وأصبح الطالب، في ظل هذا التوجه، مؤهلا ليكون صانعا لفرص العمل ومنتجا للثروة، بما يسهم في استحداث مناصب شغل دائمة، وتعزيز ديناميكية الاقتصاد الوطني.
البحث العلمي استثمار استراتيجي
ولتجسيد هذه الرؤية، عملت الوزارة على بناء منظومة متكاملة لمرافقة الابتكار داخل الجامعة، من خلال إنشاء شبكة واسعة من حاضنات الأعمال الجامعية، ومراكز تطوير المقاولاتية، ومراكز دعم التكنولوجيا والابتكار.
وتتكفل هذه الهياكل بمرافقة الطلبة والباحثين قانونيا واقتصاديا، وتسهيل نقل التكنولوجيا من المخابر إلى المحيط الاقتصادي، فضلا عن دعم حماية الملكية الفكرية وتثمين نتائج البحث العلمي.
كما أسهم نظام الوسم والتأهيل، عبر منح علامتي “مشروع مبتكر” و«مؤسسة ناشئة”، في فتح آفاق أوسع أمام الكفاءات الجامعية للاستفادة من آليات التمويل التي يوفرها صندوق دعم المؤسسات الناشئة، إلى جانب التسهيلات الجبائية، بما يعزز بيئة الابتكار وريادة الأعمال.
وفي ضوء هذه المكاسب، تعيش الجامعة الجزائرية مرحلة إعادة صياغة شاملة لدورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويعزز هذا المسار بناء جسور متينة بين الجامعة والقطاع الاقتصادي، عبر شراكات مباشرة مع المتعاملين الاقتصاديين لمعالجة الإشكالات الميدانية وتطوير حلول مبتكرة، بما يكرس مكانة البحث العلمي كاستثمار استراتيجي.
وبفضل هذا النهج، الذي يجمع بين التكوين الأكاديمي، والابتكار التطبيقي، وريادة الأعمال، وربط البحث العلمي بأهداف التنمية المستدامة، تمضي الجزائر بخطى ثابتة نحو ترسيخ سيادتها العلمية والتكنولوجية، وتحويل جامعاتها إلى أقطاب للتميز، ترفد الاقتصاد الوطني بالكفاءات والأفكار والمنتجات التي تصنع مستقبل التنمية.
