“عبدة النيران” وخاطفو الأطفال تحت رحمة القانون
صوّت نواب المجلس الشعبي الوطني، مؤخّرا بالأغلبية على مشروع القانون المعدّل والمتمّم لقانون العقوبات، الذي يشدّد التعامل مع جرائم الحرائق المتعمّدة واختطاف الأطفال، ويضع حماية الأشخاص والممتلكات في مقدمة أهدافه، في ظل ما تخلّفه هذه الاعتداءات من خسائر بشرية ومادية وقلق لدى الأسر والمواطنين، وما تطرحه من تحديات أمام أجهزة الأمن والعدالة.
يأتي التعديل تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الذي أمر في أوت الماضي بمراجعة قانون العقوبات لإقرار الإعدام مع التنفيذ ضدّ المتورّطين في إضرام الحرائق عمدًا. كما شدّد خلال مجلس الوزراء المنعقد في سبتمبر، على أن تشمل التعديلات مفتعلي الحرائق ومدبّريها، وكذلك مختطفي القصّر والمنكّلين بهم، محدّدًا بذلك مجال المراجعة وأولوياتها.
ويعكس انتقال هذه التوجيهات إلى مشروع قانون صوّت عليه نواب المجلس الشعبي الوطني، استجابة مؤسّساتية لانشغالات تتّصل بالحياة اليومية للجزائريّين، لأنّ أمن العائلة وسلامة الأبناء وحماية الممتلكات عناصر تؤثر مباشرة في شعور المجتمع بالاستقرار. ومن هذه الزاوية، تتّضح أهمية تكييف الأدوات القانونية مع خطورة الأفعال المرتكبة، بما يدعم عمل المصالح الأمنية ويمنح العدالة وسائل التعامل معها ضمن أحكام واضحة.
وفي هذا السياق، أكّد وزير العدل، حافظ الأختام، لطفي بوجمعة، أنّ المصادقة تدعم جهود حماية المجتمع، موضّحًا أنّ بعض الحرائق تستهدف الاقتصاد والممتلكات وزعزعة الاستقرار، وقد ترتبط، في بعض الحالات، بإيعاز أجنبي، وهو ما يفسّر اهتمام المشروع بالأبعاد الأمنية لهذه الأفعال، إلى جانب آثارها المباشرة على السكان والبيئة.
ويشمل النص عقوبة الإعدام في جنايات الإحراق العمدي للغابات والحقول والتخريب المتعمّد للممتلكات العمومية والخاصة، المرتبطة بخدمة أطراف أجنبية في إطار الخيانة والتخابر أو الجريمة المنظمة، وكذلك الأفعال المعنية بالمساس بالأمن والاستقرار الاقتصادي والبيئي. وبذلك يتّجه التشديد إلى مواجهة الاستخدام الإجرامي للنيران، مع بقاء إثبات الفعل ومسؤولية مرتكبيه من اختصاص التحقيق والقضاء.
وتبرز أهمية هذا الجانب حين تتحوّل الحرائق إلى تهديد للمنازل والمحاصيل ومصادر الرزق، فآثارها تمتد إلى تعطيل النشاط الاقتصادي وإتلاف موارد تحتاج سنوات لاستعادتها، فضلًا عن تكاليف الإجلاء والإغاثة وإعادة التأهيل. لذلك تشكّل حماية الغابات والحقول جزءًا من حماية السكان واستقرارهم في مناطقهم، وتستدعي الجمع بين الوقاية الميدانية وملاحقة المسؤولين عن الإحراق المتعمّد.
حماية الطفولة وتعزيز الأمن المجتمعي
بالنسبة للأطفال، يتضمّن المشروع إقرار عقوبة الإعدام على مختطفيهم، ويتناول حالات اقتران الاختطاف بالتعذيب أو الاعتداء الجنسي أو التنكيل. كما يستبعد استفادة المدانين بالأفعال المعنية بالحرائق والاعتداء على الأطفال من الظروف المخفّفة، في توجّه يرمي إلى تعزيز الحماية الجزائية لهذه الفئة ومواجهة الاعتداءات التي تستغل ضعفها وعجزها عن الدفاع عن نفسها.
وتستكمل هذه المراجعة مسارًا قانونيًا شمل إصدار قانون الوقاية من جرائم اختطاف الأشخاص ومكافحتها سنة 2020، ما يضعها ضمن جهود متواصلة لتعزيز الحماية، ويجعل تقييم أثرها مرتبطًا بما تضيفه عمليًا إلى سرعة التدخّل وإنقاذ الضحايا وملاحقة المتورّطين، إلى جانب مستوى العقوبات المقرّرة.
وتكتسي هذه الحماية أهمية اجتماعية خاصة، لأنّ الاعتداء على طفل قد يترك آثارًا تتجاوز الضّحية وأسرته إلى المحيط المدرسي والحي، ويزيد مخاوف الأولياء على أبنائهم. ومن ثم، فإنّ تحصين الطفولة وحماية الشباب من العنف والاستغلال يرتبطان بالحفاظ على الثقة داخل المجتمع، وبضمان بيئة تسمح بالتعلّم والعمل والتنقّل وممارسة الحياة اليومية في أمان.
وفي سياق متّصل، تقتضي قراءة التعديل التمييز بين وجود عقوبة الإعدام في التشريع الجزائري وتوقّف تنفيذها منذ سنة 1993. فالتوجّه المعلن يتعلّق بتفعيل التنفيذ في الجرائم المحدّدة، بينما يبقى المشروع، بعد تصويت المجلس الشعبي الوطني، معنيًا باستكمال مساره التشريعي، بما يشمل عرضه على مجلس الأمة، قبل الإصدار والنشر.
وتظل فعالية الرّدع مرتبطة بقدرة المؤسّسات على كشف الجريمة وتحديد مرتكبيها وتقديم الأدلة ومتابعة القضايا دون تأخير، مع احترام ضمانات المحاكمة العادلة. كما أنّ حماية الأطفال تتطلّب سرعة الاستجابة للبلاغات، وتوعية الأسر، والتكفّل بالضحايا، وتوفير قنوات إبلاغ واضحة يسهل على المواطنين استخدامها.



