نقــــل انشغـــالات المواطنـــين..والمشاركـة فــي مواصلـــة بنــاء الجزائـر الجديــدة
يفتتح المجلس الشعبي الوطني، اليوم، الفترة التشريعية العاشرة، إيذانا بانطلاق عهدة جديدة تمتد لخمس سنوات، بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني جويلية الجاري، وأسفرت عن انتخاب 407 نواب يمثلون مختلف ولايات الوطن والجالية الوطنية المقيمة بالخارج.
تنعقد جلسة الافتتاح على الساعة العاشرة صباحا، حيث تبدأ بالمناداة الاسمية للنواب الفائزين، وفقا للقائمة النهائية التي أعلنت عنها المحكمة الدستورية، قبل تشكيل لجنة إثبات العضوية والمصادقة على تقريرها، ثم انتخاب رئيس جديد للمجلس الشعبي الوطني. وقد سبق الجلسة اجتماع للمكتب المؤقت، برئاسة أكبر النواب الفائزين سنا وبمساعدة أصغرهم، مع ممثلي الأحزاب السياسية والأحرار، لضبط جدول الأعمال وترتيبات تنصيب المجلس.
وتكتسب بداية العهدة التشريعية الجديدة أهمية سياسية، بالنظر إلى الملفات التي تنتظر النواب، سواء في مجال التشريع أو الرقابة على عمل الحكومة أو مناقشة السياسات العمومية.
كما يأتي تنصيب المجلس في مرحلة تشهد فيها الجزائر تنفيذ مشاريع اقتصادية كبرى في مختلف مناطق الوطن، ومراجعة عدد من النصوص المرتبطة بتسيير الجماعات المحلية والرقمنة والاستثمار، إلى جانب مواصلة البرامج الاجتماعية ودعم القدرة الشرائية والتشغيل والسكن والصحة.
ويتشكل المجلس الجديد من 395 نائبا منتخبين عن الدوائر الانتخابية داخل الوطن، إضافة إلى 12 نائبا يمثلون الجالية الوطنية بالخارج. وأظهرت النتائج النهائية تصدر حزب جبهة التحرير الوطني بـ91 مقعدا، يليه التجمع الوطني الديمقراطي بـ74 مقعدا، ثم جبهة المستقبل بـ56 مقعدا، وحركة مجتمع السلم بـ43 مقعدا، وحركة البناء الوطني بـ40 مقعدا، فيما حصلت القوائم الحرة على 33 مقعدا. كما فاز حزب صوت الشعب بـ16 مقعدا، وجبهة القوى الاشتراكية بـ12 مقعدا، إلى جانب عدد من الأحزاب الأخرى التي حازت تمثيلا متفاوتا داخل المجلس.
ويعكس هذا التوزيع وجود تعددية سياسية داخل المجلس، دون انفراد حزب واحد بالأغلبية المطلقة التي تتطلب 204 مقاعد، وهو ما يجعل العمل داخل المؤسسة التشريعية مرتبطا بقدرة الكتل البرلمانية على بناء التوافقات حول مشاريع القوانين والملفات الكبرى، بعيدا عن الحسابات الضيقة أو الاكتفاء بالمواقف السياسية العامة.
قطع الطريق أمام المال الفاسد
ووفق مراقبين، يعد ابتعاد المجلس الجديد عن ظاهرة المال الفاسد من أبرز النتائج السياسية للمنظومة القانونية التي نظمت الانتخابات التشريعية، فقد جاءت القواعد الجديدة لتشديد شروط الترشح ومراقبة ملفات المترشحين ومصادر تمويل الحملات الانتخابية، بهدف منع عودة الممارسات التي كانت تسمح لأصحاب المال بالتسلل إلى المجالس المنتخبة على حساب المناضلين والكفاءات وأصحاب البرامج.
ولا يتعلق الأمر فقط بمراقبة الإنفاق خلال الحملة الانتخابية، بل بمنظومة تبدأ قبل قبول ملفات الترشح، من خلال التدقيق في الشروط القانونية وفي وضعية المترشحين، ثم تستمر عبر مراقبة الحسابات والموارد والنفقات. كما ألزمت النصوص الأمين المالي لكل حملة بفتح حساب وحيد وتبرير الموارد والمصاريف، مع إخضاع الحسابات لرقابة الهيئات المختصة وإعادة أي فائض مالي إلى الخزينة العمومية.
وبذلك، لم تعد القدرة المالية وحدها كافية لفرض الأسماء داخل القوائم أو التأثير في ترتيب المترشحين. كما أن اعتماد القائمة المفتوحة والتصويت التفضيلي منح الناخب إمكانية اختيار المترشح داخل القائمة، بدل التصويت على ترتيب مغلق تحدده قيادة الحزب مسبقا، وهو ما رفع من قيمة الحضور الميداني والعمل السياسي والنضالي والتواصل المباشر مع المواطنين.
كما استهدفت هذه القواعد إنهاء ما كان يعرف بمنطق “الشكارة”، حيث كان بعض أصحاب المال يبحثون عن الترشح باعتباره طريقا إلى الحصانة أو النفوذ أو خدمة المصالح الخاصة. أما في الانتخابات الأخيرة، فقد خضعت الملفات لفحص قانوني ورقابي أكثر دقة، مع تشديد المتابعة على التجاوزات المالية والإشهار الانتخابي واستعمال الوسائل غير المشروعة للتأثير على الناخبين.
وفي سياق متصل، ساهمت هذه المنظومة في إعادة الاعتبار للعمل الحزبي الحقيقي، لأن المترشح أصبح مطالبا ببناء مكانته داخل محيطه السياسي والاجتماعي، وتقديم برنامج والتواصل مع الناخبين، بدل الاعتماد على تمويل ضخم أو شراء مواقع متقدمة داخل القوائم.
حضور لافت للشباب والكفاءات
ومن بين المؤشرات المهمة في تركيبة المجلس الجديد، بلوغ نسبة النواب الشباب 30.96 بالمائة، وهي نسبة تعكس حضور جيل جديد داخل المؤسسة التشريعية، دون اللجوء إلى تخصيص حصة مغلقة أو “كوطة” تضمن المقاعد بصورة آلية.
وجرى دعم مشاركة الشباب من خلال قواعد تهدف إلى تحقيق تكافؤ الفرص، خاصة لفائدة المترشحين الأحرار الذين لا تتجاوز أعمارهم 40 سنة، وقد خصصت الدولة إعانة بقيمة 300 ألف دينار لكل مترشح شاب مستفيد، للمساهمة في تغطية نفقات الحملة الانتخابية، وفق ملفات ووثائق وفواتير تخضع للرقابة.
وبلغ عدد الشباب المستفيدين من هذه الإعانة 937 مترشحا يمثلون 125 قائمة حرة عبر مختلف ولايات الوطن، إضافة إلى 31 مترشحا ضمن قوائم الجالية الوطنية بالخارج. ويعني ذلك أن الدعم لم يكن مقعدا مضمونا داخل المجلس، وإنما وسيلة لتقليص الفارق المالي بين الشباب وأصحاب الإمكانات الكبيرة، وفتح المجال أمام المترشحين الذين يمتلكون أفكارا وبرامج وقدرة على العمل الميداني، لكنهم لا يملكون الموارد اللازمة لتمويل حملاتهم.
وتنتظر نواب العهدة العاشرة، مسؤولية تحويل هذه التركيبة الجديدة إلى أداء فعلي داخل المجلس، من خلال مناقشة مشاريع القوانين بجدية، وتفعيل أدوات الرقابة، ونقل انشغالات المواطنين، وتقديم اقتراحات قابلة للتطبيق. وسيكون مشروع قانون المالية لسنة 2027 من أول الاختبارات الكبرى، بالنظر إلى ارتباطه بالاستثمار والنفقات العمومية والمشاريع الكبرى وبرامج الدعم الاجتماعي.
كما سيكون المجلس مطالبا بمواكبة مراجعة قانوني البلدية والولاية، ومناقشة النصوص المتعلقة بالرقمنة والاقتصاد والاستثمار، إلى جانب تعزيز الدبلوماسية البرلمانية والدفاع عن مواقف الجزائر في المحافل الدولية.
وتفتح جلسة اليوم مرحلة جديدة للمجلس الشعبي الوطني، بقواعد انتخابية قلصت نفوذ المال الفاسد، ووسعت فرص الشباب، وأعادت للناخب دورا أكبر في اختيار ممثليه، أما التحدي الأساسي، فيبقى في قدرة النواب الجدد على إثبات أن تغير قواعد الوصول إلى البرلمان سيتبعه أيضا تغير في نوعية الأداء التشريعي والرقابي وخدمة الصالح العام.


