مراجعـــة جوهريــة لأســـس التعامـل مــع الاتحــاد الأوروبي
كشف أستاذ الإقتصاد بالمركز الجامعي المقاوم الشيخ آمود بن مختار في ولاية إيليزي، الدكتور لعبيدي سامي، أنّ اللقاء الدوري لرئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، مع الصّحافة الوطنية، حمل في مضمونه اتّجاها نحو إعادة تموضع الجزائر ضمن خريطة الشراكات الدولية، انطلاقًا من مراجعة جوهرية لأسس التعامل مع الشريك الأوروبي بالتحديد.
أبرز الدكتور لعبيدي سامي، في قراءة اقتصادية لمخرجات اللقاء الرئاسي مع وسائل الإعلام، أنّ المُعطى الأهم في المقابلة تمثل في المطالبة بمراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لسنة 2005؛ ذلك أنّ الاتفاق القديم تأسّس في ظرفية مغايرة تمامًا لما هو قائم اليوم، حين كانت الجزائر لا تزال تتعافى من تبعات العشرية السوداء، وتعتمد كليًا على الاستيراد، وباحثة عن كسر عزلتها الدولية آنذاك. أمّا اليوم، فالمعطيات الاقتصادية تغيّرت جذريًا من خلال تعاظم الإنتاج الوطني، الذي بدأ يزاحم الاستيراد وينافس السلع في الأسواق العالمية في عدد من المواد، والصادرات الجزائرية تستجيب فعليا للمعايير الأوروبية، لكنها لا تجد الاستقبال المناسب في أسواق الإتحاد الأوروبي.
وفي اتصال مع «الشعب»، أكّد لعبيدي أنّ المفارقة التي وضعها رئيس الجمهورية على الطاولة، دالة بذاتها على وجود 84 بالمئة من مشتريات الجزائر مصدرها الإتحاد الأوروبي، في حين أنّ حجم صادراتنا نحوه تبقى دون الطموح رغم مطابقتها للمواصفات العالمية، وهذا الاختلال يستدعي مبدأ المعاملة بالمثل، الذي ينبغي أن يحكم أي شراكة تجارية متكافئة وندية، لا علاقة أحادية الاتّجاه.
وفي ملف الغاز الطبيعي تحديدًا، تبرز إيطاليا كأول مستورد أوروبي للغاز الجزائري تليها إسبانيا ثم فرنسا، التي تستورد سنويا نحو 7 مليار متر مكعب من الغاز المسال، مع اتفاقيات إضافية منتظرة مع إسبانيا خلال شهر أكتوبر القادم، تشمل قطاعات أخرى غير الطاقة، بحسب قوله.
وفي المقابل، رأى لعبيدي أنّ العلاقة مع ألمانيا تحمل طابعًا مختلفًا ونوعيًا، والحديث لم يعد يقتصر على التبادل التجاري بل امتد إلى توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا في قطاعات دقيقة كصناعة الأدوية والسيارات، وصولا إلى مجالات الكيمياء والفيزياء والصناعات الدفاعية. واللافت أنّ الرئيس تبون استحضر موقع الجزائر كمورد مرتقب أساسي للهيدروجين الأخضر نحو السوق الألمانية، وهو ملف يضع الجزائر ضمن معادلة الطاقة الأوروبية للعقود المقبلة، لا كمصدر تقليدي للمحروقات فحسب.
أمّا على الصعيد الداخلي، أفصح محدثنا، أنّ الأرقام تكشف عن تحوّل بنيوي في القطاع الفلاحي الوطني، فبعد أن كانت الجزائر تستورد جملة من المنتجات الزراعية، مثل البصل والثوم والبطاطا سنتي 2015 و2016، أصبحت اليوم من مصدّريها إلى الخارج، بينما يُنتظر أن يوفّر الاكتفاء الذاتي من القمح الصلب نحو 1.5 مليار دولار من فاتورة الاستيراد للخزينة العمومية، وخارج قطاع المحروقات ارتفعت الصادرات الجزائرية إلى ما بين 5 و7 مليار دولار سنويًا، بعد أن ظلّت لعقود ومنذ الاستقلال دون سقف المليار دولار. كما تراجع معدل التضخّم في البلاد من 11 بالمئة سنة 2019 إلى 2 بالمئة حاليًا، ما يمنح هامش مناورة نقدية حقيقية ويفتح الباب أمام الحديث عن زيادات في الأجور والمنح ابتداء من 2027، مع التذكير بأنّ الأجور ارتفعت أصلا بنسبة 47 بالمئة خلال السنوات الأخيرة، شريطة الحفاظ على توازن الكتلة النقدية، حتى لا تنعكس هذه الزيادات كتضخّم يأكل القدرة الشرائية بدل أن يحسّنها.
كما لا يمكن إغفال الإصلاحات المؤسّسية الناجحة في الجزائر، وخروجها من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي «غافي»، وتجسيد مشروع الشباك الموحّد للإستثمار لتفكيك البيروقراطية، والشروع في تحسين خدمات القطاع البنكي، وإقرار الرقمنة جار تنفيذها في كل الخدمات العمومية والخاصة، فضلاً عن سعي الحكومة لتعزيز الأمن المائي عبر إنجاز محطات تحلية مياه البحر جديدة عبر ولايات الوطن، جعلت بلادنا ثاني قوة عالمية في هذا المجال الحيوي بعد المملكة العربية السعودية، وفقًا له.
ومع ذلك، أشار الدكتور لعبيدي سامي أنّ الرّهان يبقى معلقًا على قدرة الجزائر على ترجمة هذه المكاسب الكلية إلى تحقيق تحسّن ملموس في القدرة الشرائية للمواطن، والمعادلة التي طرحها رئيس الجمهورية واضحة، وتفيد أنّ كل دولار يوفّر من فاتورة الاستيراد، وكل دولار يضاف من الصادرات خارج المحروقات، هو خطوة إضافية نحو اقتصاد وطني أكثر قوّة وقدرة على المنافسة والمساومة مع الشركاء الدوليّين، خاصة الشريك الأوروبي.
للإشارة، أكّد رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، خلال لقائه الإعلامي الدوري مع ممثلي الصّحافة الوطنية، والذي بث، سهرة الاثنين، عبر القنوات التلفزيونية والإذاعية الوطنية، على أهمية مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، خاصة مع دخول الاقتصاد الجزائري مرحلة جديدة تتميّز بتنوع الإنتاج.
وأوضح رئيس الجمهورية، أنّ الوضع الاقتصادي الجديد للجزائر يتطلّب مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي الموقّع سنة 2005، في ظروف استثنائية تتميّز باعتماد الاقتصاد الوطني المطلق على تصدير البترول، لافتًا إلى جودة السّلع الجزائرية، التي تؤهّلها لدخول الأسواق الأوربية، على غرار المنتجات الفلاحية ومواد البناء والصناعات الغذائية والحديد. كما أكّد بأنّ الطلب الجزائري حظي بتجاوب عدة دول أوروبية، وفي مقدّمتها إيطاليا.

