^ يقول الخبر: أسيرةٌ تقضي عامًا آخر خلف القضبان. ثم ينتهي.
لكنّه لا يخبرك أنَّ هناك أمًّا تُخفي ارتجاف صوتها كلما ذُكر اسم ابنتها، ولا أبًا أثقل الشيب رأسه وهو ينتظر موعدًا قد يُلغى، ولا طفلًا يحاول أن يرسم وجه أمّه من ذاكرته خوفًا أن يسرقه الغياب.
لا يخبرك أن الليل في الزنازين أطول من الليل، وأن الشوق حين يُحاصَر بالحديد يتحول إلى صلاةٍ لا تنقطع، وأن الأسيرة لا تُعاقَب وحدها، بل تمتدّ القضبان إلى قلب كل من يحبها.
لا يخبرك أنَّ للأسر رائحةَ فراقٍ تسكن البيوت، وأنَّ للمقاعد الفارغة حكاياتٍ لا يسمعها أحد، وأنَّ الانتظار قد يصبح وطنًا كاملًا لعائلةٍ لم يبقَ لها إلا الأمل.
لهذا نكتب…
لأننا نؤمن أن الأسيرة ليست رقمًا في نشرة أخبار، ولا اسمًا في قائمةٍ طويلة، بل إنسانةٌ لها حلمٌ مؤجل، وأمٌّ أو ابنةٌ أو أختٌ ينتظرها قلبٌ لا يعرف كيف يتوقف عن الاشتياق.
سنظل نروي ما يسقط من الأخبار.. حتى لا يسقطن من ذاكرة العالم.
يقولُ الخبر: الأسيرة شاتيلا أبو عيادة، من أقدم الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال، دخلت عامها الحادي عشر في الأسر، وما يزال اسمها مستثنًى من صفقات التبادل.
ثمَّ ينتهي.
لكنَّه لا يُخبرك أنَّ الاستثناء ليس قرارًا يُكتب مرَّةً واحدة، بل جرحٌ يُفتَح كلَّما فُتح بابٌ للحرية. ففي كلِّ صفقةٍ تُتلى الأسماء، وتخفق القلوب، وتختلط الدموع بالبشائر.. ثمَّ ينتهي كلُّ شيء، ويبقى اسمُ شاتيلا خارج النداء، كأنَّ الانتظار وحده هو الذي لم يستثنها.
لا يُخبرك أنَّ هناك أمًّا لم تعد تُحصي سنوات الحكم، صارت تُفاوض العمر كلَّ صباح، وتُساوم الأيام على ما بقي لها منها. ليس لها من أمنيةٍ إلا أن يبقى في قلبها متَّسعٌ لآخر لقاء، وأن يُمهلها القدرُ حتَّى تضمَّ ابنتها مرَّةً واحدة بلا قيدٍ، أو حرَّاس.
لا يُخبرك أنَّ الغياب طال حتَّى أصبح للصورة حياةٌ كاملة؛ تُحدِّق فيها أمُّها طويلًا، تُحادث ملامحها، وتفتِّش في ابتسامتها القديمة عن شيءٍ يُسكِّن قلبًا أرهقه الانتظار، بينما لا يصلها من أخبار ابنتها إلا شذراتٌ متقطعة، يحملها محامٍ أو أسيرةٌ تحرَّرت، فلا تُطفئ خوفًا، ولا تصنع يقينًا.
لا يُخبرك أنَّ باب الحرية اعتاد أن يُفتح أمامها.. لا لتخرج، بل لتُودِّع. كانت تقف على بُعد خطواتٍ من بابٍ يُفتح لغيرها، بينما يُغلق في وجهها كلَّ مرَّة. لم تكن مجرد أسيرة، كانت قلبًا تتكئ عليه الأسيرات؛ تُحفِّظهنَّ القرآن، وتُعلِّمهنَّ، وتشدُّ على أيدي القادمات الجدد، ثمَّ ترى الواحدة تلو الأخرى يرحلن، وتبقى هي تُلوِّح لهنَّ من وراء القضبان، كأنَّ نصيبها أن تصنع أفراح الآخرين، وتؤجِّل فرحها إلى أجلٍ لا تعرفه.
لا يُخبرك أنَّ الاحتلال لم يكتفِ بلسبِ حريتها، فامتدَّ إلى سَلبها حقَّها في التعليم. أرادت أن تُكمل دراستها، وأن تجعل من السجن مدرسةً تُقاوم بها العتمة، غير أنَّ القيود كانت تمتدُّ إلى الكتاب كما تمتدّ إلى اليد. هناك، لا يُمنع الأسير من السير في الطرقات فقط، يُمنع من أن يمضي في طريق عقله أيضًا؛ فيغدو الكتاب حلمًا مؤجَّلًا، والقلم شاهدًا آخر على اتِّساع القيد.
لا يُخبرك أنَّ المرأة التي جعلت من الأسر بابًا للعطاء، تُواجه اليوم العزل والمرض في صمتٍ ثقيل، لا تجد كلمةً تُسكِّن بها خوفها، ولا يدًا تُربِّت على وحدتها.
لا يُخبرك أنَّ الأمَّ التي كانت تحمل لابنتها في الزيارة كلَّ ما تحتاجه، لم يعد في وسعها اليوم أن تحمل إليها سوى الدعاء.
^ يقولُ الخبر: إنَّ شاتيلا أبو عيادة تقبع في سجن الدامون، وما تزال مستثناةً من صفقات التبادل.
لكنَّ الحقيقة أنَّ الذي استُثني لم يكن اسمًا من صفقةٍ فحسب، وإنَّما أعوامٌ كان ينبغي أن تُعاش، وأمٌّ كان يحقُّ لقلبها أن يطمئن، وأسيرةٌ اعتادت أن تفتح أبواب الأمل للجميع، وتُشيِّع الأخريات إلى الحرية، بينما ظلَّ بابُ الحرية موصدًا في وجهها، وبقيت هي تُشيِّع أعوام عمرها عامًا بعد عام.
وهكذا… ينتهي الخبر، وتبقى الحكاية أوسع من أن تتَّسع لها الأخبار.
يقول الخبر: اعتُقلت دانا عناد جودة، أم لطفل من نابلس، وحُوِّلت إلى الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر.
ثمَّ ينتهي.
لكنَّه لا يُخبرك أنَّ الطريق إلى السجن لم يكن لحظةً عابرة، وأنَّ السجن قد يبدأ قبل أن تُغلق أبوابه؛ حين يُحاصَر الإنسان بالخوف، وتستنزف عائلته بالتهديد، حتى يصبح الأمان ذكرى في بيتٍ لم يُغادره أحدٌ بعد.
لا يُخبرك أنَّ دانا اختفت خلف صمتٍ ثقيل؛ لا صوتٌ يَعبُر إلى أهلها، ولا خبرٌ يعود إليهم بها، حتى صار الجهل بمصيرها وجهًا آخر للألم.
لا يُخبرك أنَّ خلف هذا السطر أمًّا انقطع صوتها عن بيتٍ كان يعرف خطواتها، وطفلًا يبحث عن وجهها في تفاصيل يومه، ولماذا صار عليه أن يبحث عن صوتها في مكالمةٍ مؤجلةٍ أو ذكرى عابرة.
لا يُخبرك أنَّها لم تدخل السجن وحدها؛ دخلت ومعها قلب أمٍّ يحمل خوف طفلها، وجسد امرأةٍ لا تعلم أنَّ في داخلها حياةً صغيرةً ستشاركها قسوة المكان، وأنَّ طفلًا صغيرًا اختار أن يبدأ رحلته الأولى في مكان لا يشبه البدايات؛ بين جدران باردة، وأمٍّ تحاول أن تمنحه الطمأنينة بينما هي تبحث عمن يطمئنها.
لا يُخبرك عن أمٍّ خارت قواها تحت وطأة القمع والخوف والتعذيب، عن جسدٍ أنهكه الألم حدًا حتى غاب معه الوعي، عن امرأةٍ سُحبت وجُرّت وهي في أشدِّ حاجتها إلى أن يُرفق بها. وعن لحظاتٍ كان كل ما تحتاجه فيها يدًا تمتد إليها لا أن تُترك وحيدةً في مواجهة الانهيار.
يقول الخبر إنَّ دانا عناد جودة معتقلة إداريًا.
لكنَّه لا يقول كيف يمكن لامرأةٍ أن تُحاصَر بين خوفين؛ طفلٌ في الخارج لا تستطيع أن تضمّه، وطفلٌ في داخلها لا تستطيع أن تطمئن عليه كما ينبغي. وبينهما امرأةٌ تحاول أن تبقى واقفةً في مكانٍ يدفعها كل يومٍ إلى السقوط.
وهكذا.. ينتهي الخبر بينما تبقى الحكاية أكبر من أن تتسع لها الأخبار.







