بعد مرور 3 سنوات من الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي يمارسه الاحتلال الصهيوني بعد عملية 7 أكتوبر 2023 أو ما سمي بـ «طوفان الأقصى»، يختلف المحللون السياسيون والمتابعون للقضايا الاستراتيجية في تفسير ما يحدث في ما يسمى منطقة الشرق الأوسط وفي العالم، إلا انهم يتفقون على أن هناك تغيرات جوهرية في ما يتعلق بالنظريات الأمنية والاستراتيجيات المرسومة للمنطقة من قبل قوى إقليمية ودولية.
يعتقد كثير من المتابعين للشأن الفلسطيني أن الكيان الصهيوني استغل عملية «طوفان الأقصى» من أجل تنفيذ مخططات صهيونية تم إعدادها مسبقا تخص فلسطين والمنطقة، بدليل تصريح رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو بعد ساعات من العملية، الذي أعلن فيه عن بدء عمليات لتغيير ملامح الشرق الأوسط (ولم يقل قطاع غزة او فلسطين).
وبالفعل حيث شن الكيان الصهيوني اجتياحا بريا بعد قصف جوي همجي لقطاع غزة (مستمر لحد اللحظة) ويحتل حاليا حوالي 70 %، وكذلك عمليات الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية لاقامة المستوطنات في المناطق «ج» و»ب»، ونسف أي نواة لإقامة دولة فلسطينية حتى على حدود 1967 (الحل الذي اعتمدته هيئة الأمم المتحدة للقضية الفلسطينية).
كذلك قيامه بعمليات همجية على لبنان واحتلاله لشريط في العمق اللبناني يتراوح من 7 إلى 10 كيلومتر، مع استمرار العمليات نحو العمق. نفس الأمر في الجنوب الغربي لسوريا، حيث يحتل الكيان مساحة تقدر بحوالي 235 كيلومتر مربع، مع عمليات استطلاعية في الأراضي السورية وصلت لعمق 63 كيلومترا، وهي على بعد مرمى حجر من اراضي المملكة الأردنية الهاشمية. تلك الانتهاكات مع هذه الأرقام تجعلنا نستذكر تصريح رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب خلال مؤتمر صحفي بتاريخ 01-08-2024، الذي قال فيه «إن مساحة الكيان الصهيوني تبدو كبقعة صغيرة جدا مقارنة بالدول المحيطة بها في المنطقة، وقال إنه لطالما فكر فيما إذا كانت هناك طريقة لتوسيع هذه المساحة».
كذلك في تصريح آخر في شهر فيفري 2025، جدّد ترامب التأكيد في البيت الأبيض ردا على سؤال حول ضم أجزاء من الضفة الغربية، معتبرا أن الكيان الصهيوني دولة صغيرة للغاية مقارنة ببقية منطقة الشرق الأوسط وأن «هذا ليس أمرا جيدا».
دون أن ننسى المؤتمر الصحفي الذي خرج فيه نتنياهو مستعرضا خريطة الكيان الصهيوني تشمل كل فلسطين والمملكة الأردنية الهاشمية، وأجزاء من شرق جمهورية مصر العربية.بتجميع ما سبق تتجلى لنا الإستراتيجية الجديدة للكيان الصهيوني، الذي يسعى من خلالها تحقيق ما يسميه بحلم دولة الكيان الكبرى (من النيل إلى الفرات) عبر استخدام القوة المفرطة، وآخر ما توصّلت إليه تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي..لكن هذه الإستراتيجية لا يمكن أن تتحقق دون دعم أمريكي، الذي يظهر بدوره من خلال «وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي» التي أصدرها البيت الأبيض بتاريخ 2025/12/04، التي تعد تحولا في الإستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، التي سبق لها الرئيس ترامب بطرح ما أسماه تخفيف العبء في الشرق الأوسط (الذي طرحه خلال حملته الانتخابية في عهدته الثانية)، التي يرجع سببه إلى رغبته في تخفيف العبء الاقتصادي والاجتماعي الناجم عن تحريك الأساطيل، وتمويل القواعد الأمريكية في المنطقة، وكذلك سقوط جنوده في المعارك التي يعتبرها ليس من ورائها مصلحة أمريكية، بل مصلحة لدول المنطقة التي لابد أن تقوم بحماية نفسها بنفسها.لكن وفق تحليلي الشخصي، أرى أن الإستراتيجيتين الجديدتين للكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية هما إستراتيجيتين متكاملتين، بمعنى أن خروج أمريكا من المنطقة سوف يترك فراغا، هذا الفراغ سوف يملؤه الكيان الصهيوني من خلال ما يسمى بـ «حلم دولة الكيان الكبرى».
طبعا يبقى هذا الطرح نظريا، بمعنى أن هذا الطرح قائم وفق موازين القوى الحالية، ولذلك قام نتنياهو بإقناع ترامب بشن الحرب على إيران، وحاليا يتم التحريض ضد تركيا، وكذلك تهديد المملكة العربية السعودية باحتلال أجزاء كبيرة من أراضيها وفق مخطط دولة الكيان الكبرى، وهذا من أجل أن يكون الكيان الصهيوني القوة الإقليمية المتفردة بالسيطرة على المنطقة. وبهذا تكون البديل الذي يملأ الفراغ الأمريكي من جهة، وتتحقق أهداف ومخططات الكيان الصهيوني – من جهة أخرى – وتتسع مساحتها كما أشار ترامب في تصريحاته.
لكن للولايات المتحدة أولويات أخرى أيضا من خلال إعلانها للوثيقة الإستراتيجية للأمن القومي الأمريكي، وهي التركيز على مواجهة الصين التي تهدد المصالح الأمريكية في منطقة الهند وباسيفيك، لذلك وجود الكيان الصهيوني كقوة إقليمية محورية في الشرق الأوسط، يخدم المشروع الهندي الذي يمر عبر الإمارات ليصل إلى الكيان الصهيوني ثم يكمل طريقه نحو أوروبا عبر الموانئ الصهيونية، هذا المشروع المنافس لمشروع الحزام والطريق الصيني، ممّا يضعف النفوذ الصيني في منطقة الشرق الأوسط بالتالي تحافظ الولايات المتحدة الأمريكية على هيمنتها عالميا.
كذلك الحرب على إيران، ضمن هذا الإطار حيث استمرار الحرب، يطيل من أمد إغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي يهدد سلامة القوافل البحرية التي تمر عبر المضيق (وهذا يؤثّر سلبا على اقتصاد الصين).
نفس الفكرة في مضيق باب المندب، استمرار التوتر في هذه المنطقة، يلهي العالم في حين يكون الكيان الصهيوني بالتغلغل بالقرب من المضيق، وخير دليل اعتراف الصهاينة باستقلال بما يسمى «أرض الصومال»، وإنشائهم لقاعدة عسكرية صهيونية مطلة على مضيق باب المندب.
في خضم كل هذه الاستراتيجيات والمعادلات الأمنية في المنطقة، إلا أن هناك حقيقة واحدة، هي أن هناك قوى دولية وإقليمية تسعى لتحقيق مصالحها، على حساب دماء الأبرياء في فلسطين لا سيما في قطاع غزة المكلوم، واستخفافا بشعوب الشرق الأوسط في حقها في العيش في سلام على أراضيها، وحرمانا لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف. لذلك لابد من إستراتيجية عربية لمواجهة تلك الاستراتيجيات التي تعمل على اقتلاع الشعوب من أرضها لسرقتها، وإحلال مستوطنين قادمين من أصقاع الأرض جورا وعدوانا.
أؤكّد.. علينا الاستيقاظ والتحرك قبل أن تنطبق علينا مقولة «أكلت يوم أكل الثور الأبيض»، هذا إن لم نكن تأخّرنا أصلا.







