منذ السابع من أكتوبر، بدأت مصلحة السّجون الصهيونية باتّباع عدد من السياسات، وأهمّها سياسة تجويع ممنهجة بحقّ كافّة الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجونها. وكان يشرف على هذه السياسة مباشرة الوزير المجرم الفاشيّ بن غفير، حيث أدّت هذه السياسة، طوال ثلاثة أعوام، إلى نتائج مرعبة، تمثّلت في:
– استشهاد عدد من الأسرى.
– انخفاض أوزان الأسرى بمعدّل الثّلث.
– انتشار الأمراض المختلفة بين الأسرى.
ومنذ الأيام الأولى، عمدت إدارة السجونِ إلى اتّخاذ الإجراءاتِ التالية:
– مصادرة كافّة أدوات الطعام من أطباق وملاعق وطناجر وبلاطات.
– إغلاق حسابات الأسرى ومنع إدخال الأموال إلى هذه الحسابات.
– إلغاء الزيارات العائلية.
– اعتماد برنامج طعام مركزيّ وثابت ومقتصر على الحد الأدنى.
– السماح لعاملين فقط بتوزيع الطعام.
كان الأسرى الفلسطينيون قبل الحرب يعتمدون في طعامهم على المواد الغذائية التي يشترونها من الكانتينا، ومن ثمّ طهيها داخل الغرف. أمّا الوجبات التي كانت تقدّمها الإدارة يوميا، فقد جرت العادة على استهلاكِ الألبان والمجمّدات والخضار وغيرها منها. وكانت هذه الوجبات غير كافية لتأمين طعام الأسرى اليومي؛ لذا كانت الكانتينا تسدّ الحاجة بنسبة 80 % من استهلاك الأسرى.
وقد راكم الأسرى في كل قسم رصيدا من المواد الغذائية يقدّر بمئات الآلاف من الشواقل. وإذا ما احتسبنا مقدار البضائع المخزّنة في الكانتينا في كافة السجون، فإنّها تقدّر بعشرات ملايين الشواقل. وكلّ هذه المواد المخزّنة في الكانتينا جرت السيطرة عليها وسرقتها من قبل إدارات السجون، وحرمان الأسرى منها.
أمّا برنامج الطعام الذي اعتمدته مصلحة السجون منذ اليوم الأوّل، ولم تجر عملية تغييره حتى اليوم، فكان على النحو التالي:
– 12-10 شريحة خبز يوميّا.
– علبة لبن صغيرة (تزن عشرات الغرامات).
– قطعة لحم حبش أسبوعيّا.
– 5 بيضات مسلوقة أسبوعيّا.
– إصبعان من النقانق من النوع الرديء أسبوعيّا.
– قطعة شنيتسل يوم السبت.
– نصف حبّة بطاطا مسلوقة أسبوعيّا.
– ملعقتان من المربّى أسبوعيّا.
– 5-10 حبّات زيتون أسبوعيّا.
– علبتان صغيرتان من الحمص أسبوعيّا (اعتمدتا بعد أكثر من عام).
– القليل من السلطةِ يوميّا (ملفوف، خيار، بندورة).
– 4 حبّات فلافل أسبوعيّا.
– 4 ملاعق تونة أسبوعيّا.
– شوربة (فاصوليا بيضاء، عدس، بازيلا…) تقدّر بسبع ملاعق يوميّا.
– وجبة أرز غير ناضجة يوميّا تقدّر بعشر ملاعق.
هذا هو برنامج الطعام اليومي والأسبوعيّ البائس الذي كانت تقدّمه الإدارة للأسرى، مع غياب تامّ لللحوم والدجاج أو الحلوياتِ أو الشاي والقهوة والفواكه. وكان الطعام رديئا جدّا، وباردا، ومطهوّا بطريقة سيّئة.
وللإمعان في إذلال الأسرى، سحبت الإدارة كافّة الأدوات اللازمة لاستلام الطعام، كالأطباقِ والطناجر، وباتت تقوم بتوزيع عدّة أطباق بلاستيكية (للاستخدام لمرة واحدة)، ثمّ أصبحت هذه الأطباق تستخدم بشكل دائم، مع استبدالها بين الفينة والأخرى. وقد اضطررنا إلى استخدام علب الألبان والحمص البلاستيكية الصغيرة في استلام طعامنا.
لقد كان هذا الطعام المقدّم للأسرى لا يكاد يفي بالحدّ الأدنى للإبقاء على حياةِ الأسير. وبدأت النتائج السلبية بالظهور بعد أسابيع، من انخفاض الأوزان، وتردّي الحالات الصحية، وانتشار الأمراض.
كانت لا تزال هناك بضعة أجهزة راديو في الأشهر الأولى، وقد استمعنا إلى أحدِ قادة مصلحة السجون يتباهى بطريقة سوقية ومبتذلة، على إحدى محطّات التلفزة، بأنّ مصلحة السجون، ومن خلال تجربة تجويع الأسرى، تقدّم للمواطن «الإسرائيلي» برنامجا للرّيجيم لمن يرغب في تخفيض وزنه.
ولم تكن إدارة السجون، الموجهة من بن غفير، تهدف إلى الانتقام من الأسرى وإذلالهم فحسب، وإنّما كانت تراهن أيضا على صراع سينشب بين الأسرى حول هذا الطعام البائس، وأنّنا سوف نقتتل فيما بيننا عليه.
ولكن كيف تصدّى الأسرى لسياسة التجويع بطريقة راقية وحضارية؟
بعد أن ألغت الإدارة التنظيم الاعتقالي، وعمدت إلى ملاحقة وقمع أيِّ حالة منظّمة، لجأ الأسرى إلى العمل سرّا في تشكيل اللجان الوطنية من كافّة الفصائل. وجرى تشكيل لجنة طعام في كلّ قسم، تشرف على إحصاء ما يصل من وجبات يومية، والعمل على توزيعِها بصورة عادلة. وكانت هذه اللجنة توجّه العاملين اللذين يقومان بتوزيع الطعام على الغرف.
وكثيرا ما كان يأتي الطعام ناقصا بصورة متعمّدة لخلق الفوضى والتناحر؛ كأن يأتي الخبز أو البيض أو الحبش أو الحمص ناقصا. فكان الحلّ أن تتقاسم الغرف هذا النقص.
أمّا داخل الغرف، فكان يجري الاتفاق على أن يقوم أسير بتوزيع الحصص بطريقة متساوية. وكان الأسرى قد ابتكروا مكاييل خاصّة، كعلبة حمص فارغة مثلا، وكانت الملعقة أداة لتوزيع الشوربة وسكبها في كؤوس بلاستيكية. كما كان يجري توزيع بقيّة الطعام، كالبيض والسلطة وغيرها، بالتساوي.
وقد ابتكر نظام معقّد لإدارة الطعام داخل الغرف، بحيث يجري إعداد جدول للنقصِ في الطعام لتقاسم العبء. فإذا وصلت عشر بيضات إلى غرفة بها 11 أسيرا، فإنّ النقص يتحمّله أسير واحد، وفي المرّة القادمة أسير آخر، وهكذا.
وكانت هذه السياسة رائعة في إدارةِ توزيع الطعام ومنع أيّة خلافات أو مشاكل.
وبالرغم من الإدارة الجيّدة لتوزيع الطعام بين الأسرى، إلّا أنّ ذلك لم يمنع من نشوء بعض الإشكاليات الصغيرة، وظهور بعضِ المشاهد السلبية، كالسرقات التي كانت تحدث داخل الغرف أو أثناء التوزيع، أو محاباة أحد العاملين لغرفته أثناء التوزيع. إلّا أنّ هذه الإشكاليات كانت حالات فردية قليلة جدّا، وكان يجري معالجتها سريعا.
لكنّ الصورة الأكثر سلبية في هذا الإطار تمثّلت في نشوء ما بات يعرف بـ «التجارة والمقايضة» (سيجري تسليط الضوءِ على هذه الظاهرة في حلقة خاصّة). وهي، باختصار، قيام بعضِ الأسرى بمقايضة مواد الطعام بعضها ببعض، وأصبح هناك نظام كامل لهذه الظاهرة، من حيث أثمان المواد وطبيعتها وطريقة تخزينها وتجار محترفون…إلخ. وكانت إدارة السجنِ تشجّع هذا الشكل من المقايضة وتسخّره في تشويه سمعة الأسرى.
ونستطيع القول إنّ سياسة التجويع اللاإنسانية التي كان يشرف عليها بن غفير بطريقة مقزّزة، تعدّ شهادة على همجية هذا الاحتلال. أمّا الطريقة التي انتهجها الأسرى في إدارة عملية توزيع الطعام، والصبر على الجوع، فكانت تنمّ عن روح إنسانية عالية، وكبرياء المناضل الذي يأبى الخنوع والاستسلام.
وكانت ثمّة حكايات إنسانية بالغة التأثير، في تقاسم كسرة الخبز والإيثار، عندما كان الكثير من الشباب يتنازلون عن عض طعامهم للمرضى وكبار السنّ والحالات الخاصّة.
@ عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين





